الصفحة 13 من 40

"فقد أضحت اللغة العربية أداة العلم الإسلامي الرئيسية وقامت في المشرق بالدور الذي قامت به اللغة اللاتينية في الغرب .. ، ولم تحتل اللغة العربية هذه المكانة الرفيعة بذاتها، ولكن الموقع المركزي للعربية بوصفها لغة الدين الإسلامي والإدارة هو الذي أدى إلى تطويعها لتلائم المتطلبات العلمية" [1] .

والدليل على ذلك أن الأعمال العلمية العربية يمكن أن تفهم جيدا دون حاجة إلى معرفة عميقة بالشعر القديم أو النثر .. ، كما لم يقتصر الاشتغال بالعلوم الإسلامية على المسلمين، حتى بعد تعريبها، إذ استمر النصارى واليهود يسهمون في هذه العلوم إسهاما نشطا، لدرجة أن كتاب"ينبوع الحياة"لابن جبرول كان يظن حتى القرن التاسع عشر أنه من تأليف عالم مسلم، حتى كشف سالومون مونك عن هوية هذا المؤلف اليهودي، كذلك فإن المؤلفات الطبية التي وضعها إسحاق بن سليمان الإسرائيلي وموسى بن ميمون لا تختلف عن أعمال المؤلفين المسلمين [2] .

وقد تحدث عالم النفس الشهير"فرويد"عن"الحالة الحيوانية"للشعوب، ورأى أن"حضارة الإنسان - التي تعني كل الأوجه التي رفعت الحياة البشرية ذاتها لتصبح أعلى من الحالة الحيوانية ومختلفة عن حياة الوحوش" [3] ، والتعبير عن الحيوانية لا يعني التسليم أن كل من هو غير متحضر فهو كالحيوان، وإنما تعني"السلوك الحضاري المهذب"في مواجهة الهمجية التي تكون عليها المجتمعات البدائية، وأيضا المجتمعات الشوفينية حينما لا يكون البشر - رغم حصولهم على قدر من التعليم والحضارة - متحلين بالسلوك المهذب. وقد حدث هذا مع الشعوب الأوروبية أثناء الحرب العالمية الثانية حين كانت دعاوى الفاشية والنازية في أوجها، وأيضا في حرب البوسنة والهرسك، حيث أسفرت جمهورية الصرب والجبل الأسود في حربهم مع البوسنيين (المسلمين) عن تعصب عرقي وديني وسط تخاذل دولي (خاصة من الدول الأوروبية) وصل إلى درجة التواطؤ المكشوف [4] ، وهذا يدل على أن الحضارة لم تتجذر في نفوس هؤلاء، وأنها مجرد مظاهر مادية وعمرانية وتقنية.

(1) تراث الإسلام، جوزيف شاخت، كليفورد بوزورث، ترجمة: د. حسين مؤنس، د. إحسان صدقي العمد، الجزء الثاني، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، يونيو 1998، ص 141

(2) السابق، ص 142

(3) الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي، م س، ص 47.

(4) انظر: الأندلس الثانية، زكريا على أفسكي، جاسمين كانتاروفيتش، منشورات لجنة العالم الإسلامي، الكويت، 1413 هـ، 1993 م، ص 46 وما بعدها. يذكر أن الفظائع التي ارتكبها الصرب مع المسلمين فاقت كل ما هو متصور، في ظل تحالف من قوى غربية على رأسها روسيا، وسلبية مفتعلة من: فرنسا، ودعم غير علني من بريطانيا، وكلمات بدون أفعال من الولايات المتحدة، وكانت المحصلة: خمسون ألف امرأة مسلمة مغتصبة، مقتل أكثر من 300 ألف مسلم، تدمير 70 % من دولة البوسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت