الصفحة 21 من 40

المبحث الثاني القيم الحضارية

رؤية إسلامية

جوبه تعريف الحضارة بعدد كبير من التفسيرات المختلفة باختلاف الشعوب ومنطلقات المفكرين والمؤرخين، حسب منطلقاتهم الفكرية.

فنرى كلًا من: تونيز A.tonnies (1922 م) ، وألفريد فيبر (1935 م) يفسران اللفظ بقولهما:"إنها لا تعدو طائفة من معارف فنية تتخذ منهجا وممارسة عملية، أي مجموعة من الوسائل والطرق للتصرف إزاء الطبيعة" [1] .

وهو تفسير يقف عند أمرين: الأول البعد المادي الذي ينعكس على الفنون بشكل عملي مثل: الأبنية والأواني والزخارف، والثاني: مواجهة عسف الطبيعة من عواصف وكوارث وفيضانات وجفاف ... إلخ. فيقف هذا التعريف عند البعد الظاهر، ويحصر الحضارة في هذا البعد؛ فإذا كانت مواجهة كوارث الطبيعة في المجتمع أمر مهم، ومطلوب لتحقيق الأمان الاقتصادي والحياتي واستمرار الترابط بين المجتمع الواحد، فإنه أساس وبداية للنهضة، وهذا قد يتحقق في كثير من الأمم؛ بعضها ذو منجز حضاري كبير، وبعضها يفتقد هذا المنجز، لأنه من ضرورات المعاش والحياة. ويكون الجديد في اختراع ما يمكن به مواجهة الكوارث الطبيعية. أما التركيز على الجانب التطبيقي والعملي في الفنون والمعمار، فهذا قد يكون علامة حضارية (تقدمية) أو علامة ثقافية (لا يستلزم أن تكون تقدمية) ، فكثير من الشعوب البدائية لها فنونها وأنماطها في البناء المتكيفة مع الطبيعة. فالتعريف السابق ارتكز على أبعاد مادية قد تشمل أمما ذات حضارات زاهرة وأخرى في بدايات التحضر أو تخلو من الحضارة، إلا أنها تمتلك الثقافة.

ويربط"لنتون"الحضارة باستجابات الأفراد للتقدم الحضري، فيقرر في تعريفه للحضارة أنها:"مجموعة منظمة من الاستجابات التي تعلمها الأفراد، وأصبحت من مميزات المجتمع" [2] . فالاستجابات تعني: السلوكيات والقيم والرؤى والعلوم التي يكتسبها أبناء الحضارة، وتبدو في حياتهم؛ فهو يقيس الحضارة من خلال سلوك أفرادها، فالشعوب الهمجية بالطبع لا تحمل حضارة.

يتفق"تيولر"مع هذا التوجه فيرى أن الحضارة هي"الكيان المعقد الذي يضم المعرفة والمعتقدات والفنون والآداب والعادات والتقاليد وجميع القدرات والتقاليد الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته"

(1) تاريخ وقواعد الحضارات، م س، ص 6.

(2) شجرة الحضارة، رالف لنتون، ترجمة: أحمد فخري، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، د ت، ج 1، ص 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت