الصفحة 22 من 40

عضوا في المجتمع" [1] . وهو تعريف لا يفرق بين الحضارة والثقافة، بل يدمجهما في بنية واحدة، مادام وضع معياره في الرؤية ما يكتسبه عضو المجتمع المتحضر، وقد تتداخل القيم السلبية مع الإيجابية في المكتسب."

ويوغل"كلود دلماس"في الذات الإنسانية وهو يعرّف الحضارة فيقرر أنها:"تربية الضمير، واستعمال الثقافة والعقل في البحث عن الأفضل" [2] ، فرقي الذات الإنسانية وتنمية الضمير الفردي هدف الحضارة الأساسي، وبالتالي يكون التقييم الحقيقي للحضارة من خلال أبنائها، فلا يستقيم أن نرى أمما تتباهى في البنيان، وتُسفل في الإنسان، وهذا ما نجده في حضارات عدة في التاريخ حيث وجدنا تقدما هائلا في جوانب مادية وعقلية وفلسفية، وانحدارا في البعد الروحي والقيمي.

ويطرح"ول ديورانت"أبعادا متعددة في تعريفه للحضارة، تسعى إلى شمولية الرؤية، وهي صادرة من"ديورانت"صاحب موسوعة قصة الحضارة في العالم، ويجعل هذا التعريف أول ما يفتتح به موسوعته، لتكون إطلالته أكثر شمولا، وأعمق في التحليل، حيث يرى أنها:"نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي. وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة؛ الموارد الاقتصادية، العقائد الخلقية، النظم السياسية، متابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها" [3]

يشمل التعريف السابق، عدة أبعاد؛ وانطلق من البعد الاجتماعي ليكون أساسا لباقي الجوانب، وهذا منطقي، فلا حضارة دون تجمع بشري، يكون بينهم مشتركات لغوية وثقافية، وهي مشتركات تنشأ بحكم العيش في المكان الواحد (الموقع الجغرافي المشترك) .

فالتجمعات البشرية تتنج أمورا عدة في الجانب الاقتصادي، وهذا ناتج عن ازدهار التجارة، وتبادل البضائع، والمنافع المشتركة، وتزداد الوحدة بين هذه التجمعات البشرية إذا سادت بينهم عقيدة / دين واحد، حيث تنبع التصورات الخاصة للكون، وتكون القيم الخلقية من منبع واحد، ثم وجود نظام سياسي يقوم بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، ويقيم أجهزة الحكم: الشرطة، القضاء، الجيش، بيت المال ... إلخ، وهذا من شأنه الإبداع في مجالات العلوم والفنون، يبدأ بالتعرف على جهود السابقين ومنتوجات الأمم والحضارات السابقة، ومن ثم ترجمته، وتدوينه، ثم الإضافة عليه بالإبداع والابتكار من خلال روح الجماعة ورؤى مبدعيها.

(1) فلسفة الحضارة الإسلامية، د. عفت الشرقاوي، دار النهضة العربية، بيروت، ص 11

(2) تاريخ الحضارة الأوربية، كلود دلماس، ترجمة: توفيق وهبة، مكتبة الفكر الجامعي، القاهرة، ص 5.

(3) نشأة الحضارة، ديورانت، م س، ص 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت