صحيح أن التعريف السابق شامل لكثير من العوامل التي تسبب قيام الحضارات في مجتمعات بعينها، ولكنها لا تقيم حضارة في مجتمعات أخرى بها نفس هذه العوامل، ونقصد بالحضارة هنا: الإضافة الإبداعية والعلمية في مختلف المجالات تساهم في الرقي الإنساني عامة، ولكنها يمكن أن تصنع ثقافة مجتمعية، كما هو الحال في مجتمعات الزنوج في وسط أفريقيا، حيث تتوافر فيها جل العوامل السابقة، ولكنها صنعت ثقافة، ولم تصنع حضارة بالمعنى العام للمصطلح.
والعكس صحيح أيضا، فقد يتوافر عامل أو عاملين من مجمل العوامل السابقة (في تعريف ديورانت) ، وتصنع حضارات كبيرة، ذات إضافات علمية وفنية مهمة، مثل حضارة"اليابان"الآن، حيث نرى شحا في الموارد الاقتصادية ونقصا في الخامات ومصادر الطاقة، وضيقا في الرقعة المكانية؛ فهي عبارة عن مجموعة جزر في المحيط الهادي، إلا أنها صنعت حضارة كبيرة، ميّزتها وسط الحضارة الحديثة، ولكنها امتلكت روح الجماعة التي انعكست في الحياة الجمعية، وهذا لا يعني تغييبا لدور الفرد، وإنما كل ياباني له دور مرسوم في الجماعة، يقوم به؛ وفق ما تكلفه به الجماعة، لذا فإن من أبرز ما يميز الشخصية اليابانية هو البساطة التي تعني إنكار الذات لصالح الجماعة [1] ، وعندما عزمت الجماعة اليابانية على النهوص كان الفرد تابعا لها، حدث ذلك مرتين في العصر الحديث، في عصر"الإحياء الميجي"عام 1868 م لبناء دولة صناعية، ثم عام 1945 م عقب الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، وفي العصرين، وبعد ربع قرن، تحقق حلم الميجي حيث أصبحت اليابان ندا للغرب ولها مساهماتها الحضارية المميزة [2] .
وهذا ما يسميه ديورانت"العوامل النفسية الدقيقة"المحفزة على الحضارة، ويحدده بعدة مظاهر: النظام السياسي الذي يمنع الفوضى، والأمان النفسي من الموت والضرائب، والروابط الأخلاقية الناشئة من العقائد الدينية، مع الحرص على التربية لكي تنتقل الثقافة بين الأجيال [3] .
صحيح أن هذه العوامل النفسية الدقيقة تساهم في صياغة روح الجماعة، ولكن من المهم أن تتحلى الجماعة ذاتها بالرغبة في صنع الحضارة، ووجود شعور لدى نخبتها بأهمية اللحاق بحضارات الأمم الأخرى، ثم الإضافة عليها. فمن الممكن أن تكون العوامل كلها متوافرة - بما فيها العوامل النفسية - ولكن الشعب في خور، والنخبة في ترف، والحاكم في غفلة.
فهناك ظروف مواتية وأخرى غير مواتية لقيام الحضارات ونموها، فكثيرة هي الحضارات التي قامت ثم توقفت مكانها، لأن الظروف التي قامت فيها تغيرت، أو لم تسمح بمزيد من التقدم، أو لأن الجماعة
(1) انظر تفصيلا: اليابان: رؤية جديدة، باتريك سميث، ترجمة: محمد زهران، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، إبريل 2001 م، ص 60 - 62.
(2) السابق، ص 8، 9.
(3) نشأة الحضارة، ديورانت، م س، 6، 7.