/ المجتمع، لم يجد ما يحفزه على متابعة التقدم، ينطبق هذا على المجتمعات البدائية (في أفريقيا مثلا) ، وعلى الحضارات التي قطعت شوطا في الحضارة مثل الحضارة الإسلامية بسبب سوء النظام المالي والإداري، الذي يعقب تدهورا اقتصاديا واجتماعيا، ثم بالضرورة معنويا [1] .
تعود النهضة الأوربية في بداياتها إلى عوامل مادية بحتة تتصل بعوامل سكانية وطبيعية وجغرافية. فقد ظلت شعوب أوروبا قرونا طويلة لا تتطور إلا بمستوى ضئيل، لأن الطعام والمياه كانا متوافرين، وكانت المشكلة الوحيدة هي البرد القارس، وقد واجهوه بالبيوت والفراء والملابس، وكانوا يشغلون فراغهم بالحرب والتناحر والرقص والغناء، ولم تسرع أوروبا للحضارة إلا خلال القرن العاشر الميلادي، عندما تضاعف سكانها ثلاث مرات عما كانوا عليه في القرن الخامس، فأسرفوا في قطع الشجر لاستعمال أخشابه في بناء البيوت والتدفئة، فقل صيد الحيوان، وشحت الأقوات، فنشط العمل في الزراعة وتربية المواشي، وفي القرن الحادي عشر وصل السكان إلى درجة الانفجار، وضاقت بهم الأرض، فازدادت الهمة للعمل، وزاد طلبهم على المنسوجات لندرة الجلود، فارتحلوا إلى الشرق لاستيراد الأقمشة، مما أدى لتطور الفن البحري، وتحسن صناعة السلاح، ومن ثم تدخلت الكنيسة لحثهم على غزو أراضي المسلمين، لأن الشائع لديهم أنهم أغنى من أوروبا، فكانت الحروب الصليبية، ومن ثم التعرف على نهضة الشرق، وانطلقت شعلة الحضارة لديهم [2] ، إذن لم يكن عامل الدين هو السبب الأساسي في هذه النهضة، وإنما أسباب دنيوية بحتة، وكانت المؤسسات الدينية لديهم معيقة في سبيل نهضتهم.
ويكاد باحثو علم الحضارات أن يجزموا بدور الدين - إيمانا وعبادة وقيما وخلقا - في الحضارات المختلفة، فهم يرون:"أن الدين هو الخط الأقوى في قلب الحضارات ماضيها وحاضرها معًا" [3] ،"إذ توشك الحضارات كلها أن يغمرها ويكتسحها العنصر الديني .. تستمد منه أقوى مسوغاتها وحياتها وكيانها" [4] .
وهذا ما خلت منه الحضارة الغربية المعاصرة، حيث ارتكنت على فصل الدين عن الدولة، أو فصل الكنيسة وكهنوتها عن المجتمع وأحواله وتقدمه، نظرا لتسلط رجال الكنيسة، وربما يكون لديهم بعض الحق فيما فعلوا، في بدايات ما يسمى عصر النهضة، ولكن تحول الفصل بين الدين والدولة إلى فصل بين الدين والمجتمع والناس، ثم تجميد الدين في رحاب الكنائس. وهذا ما حدا بفيلسوف
(1) راجع: الحضارة، د. حسين مؤنس، م س، ص 53 - 55.
(2) الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، د. حسين مؤنس، م س، ص 36، 37.
(3) تاريخ وقواعد الحضارات، م س، ص 18.
(4) السابق، ص 19.