التاريخ توينبي إلى القول إن عبادة الإنسان متحققة بشكل أو بآخر في الحضارة الغربية المعاصرة مثلما كان شائعا في الحضارة الهلينية، حيث يقول:"العقيدة السائدة في واقع الأمر - وإن كان لا يعترف بذلك - في العالم الغربي في الوقت الحاضر، فالغربيون يعدون من المؤمنين المتحمسين، بقوة الإنسان الجماعية، وبخاصة قوته على الطبيعة غير البشرية .. ، كما كان الفلاسفة الإنسانيون الغربيون في القرن الخامس عشر من عبدة الإنسان، كلٌ بطريقته الخاصة، وما يميز التجربة الهلينية .. هو أنها كانت أصدق وأصلب عبادة للإنسان سجلها التاريخ حتى يومنا هذا" [1] .
ويصدقه القول بروديل الذي يصرح:"لابد من الاعتراف بأن الحضارة الغربية كلما نمت وازدهرت بدت وكأنها تبتعد عن المفاهيم الدينية وتقترب أكثر وأكثر من التفكير العقلاني أي نوع من التحلل والتحرر من السلوك الديني حيث لابد من الاعتراف بتفردها في هذا الاتجاه" [2]
وتبدو أزمة الحضارة المعاصرة في شيوع"التشكك الأخلاقي"بين صفوة المثقفين، فقد أصبحت غيبيات ما فوق الطبيعة على درجة من الإسقاط والإهدار أكبر مما كانت في كل تاريخ البشرية؛ لأن العلماء الآن، رأوا أن الخير والشر والصواب والخطأ من مسائل القيمة (النسبية) ، وهم يفترضون أن العلم يهتم بالحقائق لا بالقيم [3] ، وتطور الأمر إلى تبني نظرية"تقليد الفردية الاقتصادية"ومعناها أن الذي يسير العالم هو اهتمام كل فرد بما يخصه وحده، وأن تفاعل قوى السوق كفيل بتسيير المجتمعات بشكل جيد، وأصبحت هذه النظرية هي المؤثر القوي في الحياة الاجتماعية والثقافية، فقد فصارت الثقافة - في الحضارة الغربية - تجارية بمثل ما هي ثقافة صناعية، وباتت هي السائدة بين الناس بشكلي يقيني، في الوقت الذي يشكك فيه المجتمع في القيم الأخلاقية ويتعامل معها بنسبية، فكانت المحصلة زيادة أنانية الأفراد، وتشككهم في أي وجهة نظر: دينية أو اجتماعية، فكل إنسان يحاول أن يجعل حكمه هو في مقام أساسي مجادل [4]
(1) تاريخ الحضارة الهلينية، م س، ص 29، 30.
(2) تاريخ وقواعد الحضارات، م س، ص 19.
(3) الحضارة الصناعية الحديثة: ما لها وما عليها، س. إيريس، ترجمة: محمد ماهر نور، نشر: مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط 1، 1966 م. ص 43. يجدر بالذكر أن المؤلف يطلق مصطلح"الحياة الدنيوية"بديلا عن"الحياة العلمية التكنولوجية"، ويبرر ذلك بأن معنى دنيوي Secular هو المقابل لمعنى كلمة مقدس Sacred، ويرى أن كلمات: مادية، ميكانيكية، تقابلان المقدس، مثلما تقابل لفظة"الطبيعي"في العلوم، ما فوق الطبيعي وهو الخفي المقدس. انظر ص 42، 42.
(4) السابق، ص 48 - 50. يذكر المؤلف مثلا يوضح عمق الاتهام لكل من يريد الإصلاح الخلقي للمجتمع الغربي، فيقول:"حك جلد المصلح يظهر لك الدكتاتور"، في إشارة إلى عمق التشكك الذي ساد الناس إزاء كل مخلص أو داع للدين أو للخير في أغلب الأحوال. ويجدر بالذكر - أيضا - أن الرأي السابق أعلاه ورد وفق النظرية الليبرالية، ولكن إقصاء الدين هي لب النظرية الشيوعية التي تراجعت كثيرا في العقدين الأخيرين لصالح المنطق الليبرالي.