والأحياء وشؤون الناس والقيم، وتجعل عقل الإنسان وذاته هي المصدر الأساسي لكل قيمة، وهي الحكم أيضا على أي قيمة، ولا دور للدين إلا بوصفه تراثا أو مرجعا معرفيا قابلا للنقد و النقض و الاستفادة و المناقشة. إذ ثمة افتراض أن العقل البشري قادر على رصد الواقع بأسره، والإحاطة به، والتحكم فيه، وهذه هي الرؤية المتمركزة حول الذات، التي تفترض مركزية العقل الإنساني ووعيه، ومن ثم تفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة ... ، لقد حقق العلم الغربي انتصارات رهيبة بفضل حياديته وموضوعيته الرهيبة، أي بسبب تجاهله الإنسان وغائياته وقيمه ومثالياته ومطلقاته، وقد طرح العلم نفسه بوصفه القادر على الإتيان بحلول للمشكلات المادية وغير المادية، وادعى العلم أنه مصدر القيمة، وأنه قادر على تزويد الإنسان بالرؤية السليمة، وأنه سيحقق للإنسان السعادة والخلاص والتحكم في الطبيعة وتسخيرها للإنسان، ولن يتحقق هذا إلا قبل الإنسان أن يكون العلم هاديا ومرشدا ودليلا وسلم له أمره، فأعاد الإنسان صياغة واقعه الإنساني والنفسي حسب قوانين الطبيعة والمادة، أي تكون مرجعيته هي المادة [1] ، وفي جميع الأحوال، فإن الدين غائب عن الحياة العامة في حقول التربية والفكر والثقافة والفنون وغيرها.
أُطلِقَ مصطلح صدام الحضارات The Clash of Civilizations في مطلع حقبة التسعينيات (1992 م) من القرن العشرين، عبر مقال نشره صموئيل هنتنجتون في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية Foreign Affairs وناقش فيه ظاهرة التصارع الثقافي والهويات الدينية بين البشر، خاصة مع انتهاء حقبة الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين في العالم: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، والذي أسفر عن انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية العالمية، ثم توسع في الدراسة لتصبح كتابا، حمل اسم: الصراع بين الحضارات وإعادة صياغة العالم، وقد رأى المؤلف وهو باحث في العلوم السياسية أن السياسة العالمية معرضة لصراع بين الثقافات، وليست على المصالح والنفوذ، وقد عدّ هنتنجتون الحضارات: الصينية، اليابانية، الهندية، الإسلامية، الغربية، الأفريقية وأمريكا اللاتينية، وأن ما يحكم العالم هو الصراع بين هذه الحضارات أو الثقافات، وقد خص الحضارة الإسلامية بحديث خاص، واعتبر الأصولية الإسلامية هي ميدان المواجهة في العالم، وإن كان قد خلط بوضوح بين الأصوليين الإسلاميين وبين الإسلام، وغفل المنجزات الضخمة للحضارة الإسلامية، وأن الإسلام دين العدل والرحمة والسلام، وقد ذكر هنتنجتون أن المجتمعات الإسلامية
(1) العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، د. عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 2002 م، المجلد الثاني، ص 10، 11.