الصفحة 28 من 40

تقع عند خطوط المنازعات الثقافية للعالم، ولهذا بدت سلوكياتها عنيفة، ويحرض في سبيل ذلك النصاري وغير المسلمين إلى خوض حرب إسلامية، وفي الكتاب إشارات مختلفة عن الحروب الصليبية قديما، والحرب المقدسة الإسلامية (حروب الجهاد) ، والدليل على ذلك محاولة إحياء الإسلام بوصفة قوة سياسية، كما يشير إلى أن هناك صراعا بين الحضارة الصينية أيضا، من منطلق الرغبة في الهيمنة لا المصالح المتبادلة، ولا ميزان القوى، والدليل صعود النمور الآسيوية وصعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية وبشرية عالمية، ويربط المؤلف بين الإسلام والكونفوشيوسية (الصين) في مضمار النزاع مع الغرب، ويجدر بالذكر أن هنتنجتون نفسه دعا في نهاية كتابه إلى التفاهم والتعاون بين كبار السياسيين والمثقفين في جميع الحضارات، وتبنى ما سماه"الأخلاق الرقيقة"التي تسمح بالتعايش بين الدول والشعوب، في حين أن"الأخلاق الغليظة"المطبقة في العلاقات الدولية والتي أساسها الهيمنة والتسلط تؤدي إلى صراعات ثقافية [1] .

وتزامن ذلك مع صدور كتاب"نهاية التاريخ"لفرانسيس فوكوياما، الذي تناول الظاهرة من منظور أن التاريخ أثبت انتصار مبادئ القيم الليبرالية، وأن المسألة حسمت لصالح المعسكر الغربي الأمريكي، وأنه لابد من مواجهة أية ثقافات أو حضارات تناوئ القيم الليبرالية التي أثبت التاريخ انتصارها النهائي [2] .

وقد تحدث الكثير من المفكرين حول هذا الصراع أو الصدام الحضاري، ولكن المهم في سياقنا أن طبيعة هذا الصراع ليس مجرد نزاعات بين حضارات، وإنما هو نزاع بين ثقافات، فالثقافة الغربية باتت متخوفة من الصعود أو العودة القوية من الثقافات الأخرى، خاصة الثقافة الإسلامية، والثقافة الصينية (الكونفوشيوسية) ، ويمكن أن تقرأ في سياق إيجاد أعداء جدد أو أعداء مفترضين، كي يظل الغرب العسكري في مرحلة الاستعداد العسكري، وتستفيد من ذلك صناعات ضخمة يعمل فيها الملايين، عبر إشعال نزاعات مباشرة بين أمريكا والشعوب الأخرى (الولايات المتحدة الأمريكية والعراق وأفغانستان وكلتاهما دولتان مسلمتان) ، أو حروب بالوكالة عن الغرب وأمريكا، مثل التدخل الأثيوبي في الصومال لتحقيق الهيمنة الأمريكية على القرن الأفريقي.

كما يمكن أن تقرأ في ضوء تصاعد طروحات"العولمة Globalization"التي ظهرت في نفس التوقيت لتصاعد هذه النزعة، ونتجت عن الحالة التي وصل إليها الاقتصاد العالمي، من حيث اتساع الفجوة بين البشر والدول اتساعا لا مثيل له، فهناك 358 مليارديرا في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما

(2) انظر: نهاية التاريخ، فرانسيس فوكوياما، ترجمة: حسين الشيخ، دار العلوم العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1993 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت