يملكه ملياران ونصف من البشر، أي نصف سكان الأرض، وأن هناك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي، وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من مجموع مدخرات العالم [1] وهناك في الساحة العالمية 40 ألف شركة أممية (متعددة الجنسيات) مختلفة الأحجام، وهذه انتشرت في بقاع الأرض المختلفة، خاصة الدول النامية حيث رخص الأيدي العاملة، وتوافر الأراضي بأسعار زهيدة، والإعفاء من الضرائب العالية، والتخفف من الشروط البيئية، وهذا ما يسمى"أممية رأس المال"التي يمكنها أن تقتلع دولا بأكملها [2]
ولا شك أن العولمة - وإن كانت ذات بعد اقتصادي واضح - إلا أنها ذات أبعاد سياسية وثقافية عديدة، وقد ارتفعت أصوات دعاتها متزامنة مع دعوة الصراع الحضاري ونهاية التاريخ، ومتناغمة معهما أيضا، فما لم تستطع جيوش الدول العظمى أن تنجزه يمكن أن يتحقق من خلال الهيمنة الاقتصادية للشركات العالمية، التي تأتي ووراءها ثقافة غربية بشكل عام، وأمريكية بشكل خاص، ليكون الصراع الثقافي / الحضاري على أرض الدول النامية، وتكون الغلبة لرأس المال المهيمن ومعه أدوات دعائية جبارة ممثلة في الفضائيات وشبكة المعلومات الدولية وغيرها.
إن دعوات الصراع الحضاري تجاهلت الكثير من حقائق التاريخ، ومنطق الحضارات، وبدلا من أن يقوم المثقف بدور سلمي، تكون دعواته محرضة نحو المواجهة. لذا، انطلقت عشرات الطروحات الرافضة لهذا المنطق، والتي تنادي بأهمية التعايش الثقافي، وأنه ينبغي على الحضارات التطلع باحثة عن القيم والمؤسسات والممارسات المشتركة بينهم وبين الآخرين، ومن أجل تعزيز سلوكيات حضارية راقية، ومواجهة تصاعد النزعات الهمجية [3] . إن الصراع الثقافي موجود منذ قرون، وقد اتخذ طابع هيمنة ثقافة الأقوى على الأضعف، وهو من حقائق التاريخ، ولكن الجديد أن المناطق الحضارية الكبرى في عالمنا اليوم وهي: الكونفوشيوسية، الهندوسية، الإسلام، المسيحية الأورثوذكسية، والمسيحية الغربية، ستصبح محددات للصراعات الثقافية التي ستعم العالم مستقبلا، بفعل تطور شبكات الاتصالات والمعلومات، وستكون هذه الصراعات في الميدان الاقتصادي، ومن ثم السعي إلى المزيد من مناطق النفوذ السياسي والهيمنة [4] .
(1) فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية، هانس بيتر مارتين، هارالد شومان، ترجمة: د. عدنان عباس علي، مراجعة وتقديم: د. رمزي زكي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص 11 (من تقديم د. رمزي زكي) .
(2) السابق، ص 31، 32.
(3) راجع: الصدام داخل الحضارات: التفاهم بشأن الصراعات الثقافية، دييتر سنغاس، ترجمة: شوقي جلال، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، 2009 م، ص 143، 144.
(4) السابق، ص 166، 167.