المبحث الأول
القيم الحضارية وتقاطعاتها المعرفية
تضرب لفظة"الحضارة"بجذورها في التراث اللغوي والفكري في الثقافة العربية، وهي ترتبط في دلالاتها المعجمية - وفق جذرها اللغوي"حضر"- بأبعاد عدة، أولها: الحضور وهو نقيض الغيبة والمغيب، وثانيها: الحضري وهو ساكن المدن والقرى في مقابل البدوي قاطن البادية، فالحضارة تعني الإقامة في الحضر [1] ، ولا تغيب دلالة الحضور (التواجد) عن دلالة ساكني المدن والقرى، فهؤلاء حضروا الأمصار ومساكن الديار، التي بها قرار واستقرار، لذا هو خلاف البداوة والبادية، والحضري: المقيم في المدن والقرى [2] ، أي تطورت الدلالة من الحضور الشخصي في مكان ما، وفي زمن ما، إلى الحضور الدائم / الإقامة، بديمومة مكانية وزمانية للأشخاص. وهناك دلالة ثالثة ذات وشيجة بالدلالتين السابقتين، فالحَضُرُ هو: الرجل ذو البيان والفقه لاستحضار مسائلهما [3] ، وتبدو الصلة في الحضور الفردي للرجل، وهو حضور مرتبط بنبوغه في قضايا البيان / البلاغة والأدب، والفقه وعلوم الشريعة. ومنها أيضا:"الحضرة"في حضرة فلان، أي في حضورة ومشهده [4] .
أما القِيَم - لغويا - فلها دلالات كثيرة ولعل أقربها إلى بحثنا أنها تعني: قِوامُ الأمر أي مِلاكُهُ الذي يقوم به. وهي أيضا: قيّم، أي مستقيم حسن، وهو المستقيم الذي لا زيغ فيه [5] . فالقيمة هنا أساس الشيء، ولكنها ذات دلالة إيجابية في اللغة، لأنها من الاستقامة، فعندما تضاف إلى الحضارة، فهي تعني"أسس الحضارة"، وتعني أيضا سبل استقامة الحضارة.
وقد وردت لفظة القِيَم في القرآن الكريم بتشديد الياء، وتعني دلالات كثيرة في مجملها الاستقامة وعدم الزيغ، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم} [6] ، فهي تعني: هَذَا هُوَ الشَّرْع الْمُسْتَقِيم
(1) لسان العرب، ابن منظور، دار الحديث، القاهرة، دون طبعة، 1423 هـ، 2003 م، مج 2، ص 485. قال القطامي: فمن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا
(2) المعجم الكبير، مجمع اللغة العربية، القاهرة، الجزء الخامس: حرف الحاء، ط 1، 1421 هـ، 2000 م، ص 431، وأيضا: المصدر السابق، ص 486.
(3) المعجم الكبير، م س، ص 431.
(4) معجم لغة الفقهاء، د. محمد رواسي قلق جي، د. حامد صادق قنيبي، دار النفائس، بيروت، ط 2، 1408 هـ، 1988 م، ص 181
(5) لسان العرب، مادة قيم.
(6) سورة التوبة، الآية (36) ، وسورة يوسف، الآية (40) ، وسورة الروم، الآية 30