الصفحة 26 من 40

إن هذه النظريات"تكوّن طابورا مخربا، لأن أثرها هو هدم كل قيادة أخلاقية أصيلة .. ، وإن الفصل بين الحقيقة والقيمة هو الذي يحدد أزمة القرن العشرين .. ، فلكل ثقافة وجهان يمكن أن يحددهما لفظ دنيوي وغيبي بوضح كاف لأغراضنا الحالية وقد كان هذا واضحا على طول المدى" [1] .

وهناك قيمة عكسية تضرب في بنية الحضارة الغربية، وهي قيمة"الإسراف في التنظيم الاجتماعي"، وهي ناتجة عن تعاظم دور المؤسسات في المجتمع الصناعي، في المصانع، الشركات، المنتديات، التجمعات ... ، وهذا التعاظم له آثار إيجابية بلاشك؛ تتمثل في تنظيمه للأعمال والاقتصاد وشؤون الناس، ولكنها تفقد الفرد الغربي الشعور بالذاتية، وتضعف لديه القوى العاطفية الخاصة بالاقتناع، والتي تُعرَف عن طريقها القيم الأخلاقية. وظهرت بناء على ذلك إحساس الناس - في الغرب - أنهم تجمعات وحشود ضخمة مثل الحشرات، كل فرد لا يكترث بمن حوله، وإنما هو يرى نفسه نكرة ضمن الجموع الزاحفة للعمل صباحا، والعائدة منه مساء، فالتنظيم الحديث له أثر كبير في تلاشي القيم العاطفية، والانكفاء على الذات، والعزلة وسط عالم يموج بالصخب [2] .

فنحن إزاء قيمتين تضربان في متن الحضارة المعاصرة، وهما: زيادة النزعة الفردية، وعظم النزعة المؤسساتية، وربما يكون ظاهرهما التناقض، ولكن باطنهما التلاقي، لأنهما ناتجتان ببساطة عن إقصاء الدين وأسباب السمو الروحي، والإمعان في العلمانية أو اللادينية، فأدى ذلك إلى هاتين النتيجتين / القيمتين، فكل فرد لا يفكر إلا في ذاته، ولا يقيّم الأمور إلا بمنظوره الخاص، ولا يعبأ كثيرا بمن حوله، رغم أنه عضو في تجمعات عمالية ومؤسسية كثيرة بداية من المدرسة إلى المصنع أو الشركة إلى النادي والنقابة. لتبقى حقيقة واضحة: عندما يموت الضمير الفردي والقيم الخلقية، وتذبل العلاقة مع الله تعالى، تموت كل القيم الأخرى.

وقد يستغرب البعض من حال الغرب، الذي يتعصب بشكل كبير للمسيحية، وللفاتيكان دور مهم في صنع القرار السياسي الدولي والمحلي، وهم يضادون الإسلام والقضايا الإسلامية بشكل لافت، ويعملون على التنصير في كافة الدول الإسلامية، مستخدمين أعداد لا حصر لها من المنصّرين، تمولهم مؤسسات ضخمة، ومع ذلك، نجد خواء روحيا، وفسادا قيميا، وهذا عائد إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة (العلمانية) ، وهي على ضربين: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، والأولى تقصي الدين عن الحياة، وتقبله في الحياة الخاصة، بوصفها غذاء روحيا، أما الثانية فهي تقصي الدين تماما عن الحياة

(1) السابق، ص 53. يضيف المؤلف: إن الشعوب البدائية تعي جيدا الفرق بين أنواع النشاط الدنيوي وأنواع النشاط الغيبي، في حين لا يعي الإنسان الغربي هذا الأمر البسيط.

(2) انظر: الحضارة الصناعية الحديثة: ما لها وما عليها، م س، ص 176 - 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت