انتقال السلطة بشكل هادئ، يحفظ الدماء ومقدرات الأمة والمنجزات الحضارية [1] . وهذا واضح في وظائف الدولة الحديثة، حتى في ضوء المتغيرات الجديدة (العولمة وتراجع مفهوم الدولة القومية) ، فمن وظائف الدولة: الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي وحماية الملكية الخاصة والعامة، والملكيات الفكرية والإبداعية والعلمية، وفرض الضرائب والجمارك، ودعم العلماء ومؤسسات البحث العلمي. كما ظهرت الوظيفة التطويرية للدولة، وتشمل تطوير مؤسسات الدولة ذاتها، وإدارة الأزمات مثل أزمات البطالة وتقديم إعانات اجتماعية للفئات الضعيفة والفقيرة وإقامة نظام تأميني ناجح يضمن توفير الاحتياجات الأساسية لفئات الشعب المختلفة، وأيضا تطوير المؤسسات السياسية والمدنية، بما يمنع الثورات والانقلابات الدموية [2] .
من خلال العرض السابق، حول العلاقة بين الحضارة والدولة، يمكن استنباط عدد من القيم الأساسية في هذه العلاقة اللازمة، وأول هذه القيم: الاستقرار السياسي الذي يعطي الأمان النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وهذا يحفز العلماء على الإبداع والتطوير والإضافة. ثانيها: الحفاظ على المنجزات الحضارية في العلوم والفنون والآداب، وهذه لا تتحقق في ظل الفوضى والهمجية. ثالثها: أن منجزات الحضارة في خدمة الشعوب، والشعوب كفيلة بالحفاظ عليها، حتى لو سقطت الدولة. مثل حالة الدولة الألمانية التي خرجت من الحرب منقسمة، محطمة أغلب مدنها ومرافقها، مفككة المصانع، ولكن إرادة الشعب والنظام السياسي كانتا سببا في لم الشمل، ومن ثم البناء، مستفيدين من الطاقات العلمية والفكرية لأبناء الشعب. رابعها: إن ضمان الانتقال السلمي للسلطة - دون المغالبة أو الثورات المسلحة - يضمن الحفاظ على مقدرات الأمة ومنجزاتها الحضارية. خامسها: من مقاييس الحضارة مستوى وعي الشعب، وقدرته على رعاية علمائه ومفكريه، وتقديرهم.
(1) الدولة في الفكر السياسي، أحمد عبد الحفيظ، بحث في مجلة الديمقراطية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد الثالث، صيف 2001، ص 45 - 47. هذه الأركان تتناول الأركان الأساسية لقيام الدولة في العصر الحديث، بعيدا عن أشكال الدول: الفيدرالية، الكونفيدرالية، الاتحاد، الكومنولث وغيرها.
(2) الوظائف الجديدة للدولة، د. محمد سعد أبو عامود، بحث في مجلة الديمقراطية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد الثالث، صيف 2001، ص 72 - 75.