ومؤسسات العلم وهيئاته، حسب رعاية الملك لها، وقد تضعف إذا رفع يده عنها، ولكنها لا تسقط ولا تنزوي، إلا في حالات الانحسار الحضاري الكبير كما في الحضارات القديمة: الفرعونية والفينيقية والآشورية.
ومن الشواهد التاريخية التي تعارض ما ذهب إليه ابن خلدون في تعميمه على حالات الدول، وانزواء الحضارات: الخلافة الأموية في الأندلس التي أقيمت بجهود فرد استطاع أن يجمع القلوب حوله في بلاد الأندلس بعدما تشتت ودبت فيها الفوضى سنوات. فقد أقام عبد الرحمن الناصر ملكا جديدا لبني أمية (بالتوازي مع الخلافة العباسية في بغداد) ، وأقام خلافة زاهرة عام 929 م، وانتقلت الخلافة بعده إلى ابنه الحكم المستنصر (961 - 976 م) الذي شهدت الأندلس على عهده أعظم ازدهار عرفته البلاد في مختلف النواحي ويكفي أن مكتبته ضمت ستمائة ألف مجلد [1] ، وعندما أفل نجم الخلافة الأموية في الأندلس ظل إشعاعها الحضاري باقيا، في الدول الإسلامية المتتابعة فيها، وحتى بعد رحيل العرب عنها، إلا أن تأثيرهم بقي، فقد ظلت طليطلة محافظة على وجهها العربي، فالمعاملات بين السكان تجرى بالعربية، وأقبل الفرنجة في القرن التاسع الميلادي ينهلون من علوم المسلمين، بعدما أدركوا البون الشاسع بين ثقافتهم وثقافة المسلمين، وكان في طليعة الفرنجة رجال الإكليروس القادرون على تلقي هذه الثقافة لأنهم ببساطة يعرفون القراءة والكتابة، أما عامة الفرنجة وأشرافهم فهم أميون [2] .
وقد تحدد مفهوم الدولة في الفكر السياسي الحديث بشكل أوضح عما طرحه ابن خلدون، بما يجعلها محافظة أكثر على المنجزات الحضارية، وضمان الاستفادة منها من سائر الأمم. فالأركان الأساسية للدولة ثلاثة: أولها: الشعب بكافة تشكيلاته: الأفراد والأسر والقبائل، ثم التجمعات المهنية والعمالية، والأحزاب والقوى السياسية إن وجدت، والجماعات الفكرية. ثانيها: الإقليم وهو مساحة الأرض الجغرافية حيث يعيش أفراد الشعب في بيئة مكانية واحدة، والدولة - وليس نظام الحكم - يمتلك خيرات الإقليم، ويتكفل باستغلالها وتنميتها والمحافظة عليها. ثالثها: السلطة السياسية وهي الهيئة الحاكمة التي تقوم على شؤون الإقليم والبشر الذين يقطنون فيه، وتحافظ على الوحدة السياسية للشعب، واستقلاله، وحسب الدساتير الحديثة، فإن انتقال السلطة لا يستلزم التغلب بالقوة العسكرية والثورات المسلحة - إلا في حالات الاحتلال الأجنبي - على نظام الحكم، فهناك طرق محددة تضمن
(1) تعرّبت .. وتغرّبت أو نقل الحضارة العربية إلى الغرب، سيمون الحايك، المطبعة البولسيّة، جونيه، لبنان، 1987 م، ص 5.
(2) السابق، ص 7.