الصفحة 17 من 40

عبد الملك .. ، ونفس الأمر في الخلافة العباسية في بعض عصورها، وفي الخلافة العثمانية وهذا انقلاب أبيض أو تغيير في الطبقة الحاكمة بشكل سلمي، وإنشاء سلالة جديدة في الحكم، فإذا ضعفت تسلمت سلالة أخرى، ضمن الدولة نفسها.

وقد تنبه فقهاء الشريعة الإسلامية - منذ القدم - إلى أن مدخل فساد الأمة إنما يكون من الناحية السياسية، لأن السياسة تنازع على الأرض والناس والسلطان، وقد افترض الإسلام أن جماعته تُحكَم بالقانون العقدي والشرعي، والضمير الخلقي اليقظ الواعي، وقد بدأ أهل العلم والدين في صيانة الأمة من عواصف السياسة وتقلبات الاقتصاد وأهواء أهل الحكم، بترسيخ الشريعة في النظام القانوني في البلدان الإسلامية، ومن هنا نشأ الانفصال الكبير بين الدولة (متغيرة الحكام والحكومات) وبين الأمة المسلمة، فقامت دول وسقطت، وتناهب السلاطين والملوك وتحاربوا، وبقيت الأمة الإسلامية سليمة محتفظة بنفسها وأخلاقها وعلومها، رغم الكوارث الكبرى التي عصفت بالدول ولكنها لم تعصف بحضارة الأمة إلا في حالات نادرة، ورغم تقاسم رجال السياسة بلاد الإسلام إلا أن أهل العلم والشعوب الإسلامية تعاملوا فيما بينهم بدون تقسيمات أو حدود أو سدود، كما كان - مثلا - في قوافل الحج، والتجارة، والتشابه الملحوظ في المسكن والملبس والمسجد وغير ذلك [1] . ويكون السؤال: هل هناك علاقة ترابطية بين الدولة والحضارة؟ فإذا ازدهرت الدولة ازدهرت الحضارة.

قبل الإجابة عن هذا السؤال، نلاحظ أن مفهوم الحضارة في فكر ابن خلدون يرتبط بالمظاهر العمرانية، وانتعاش حالة الترف والدعة، حيث يقول:"ثم إذا حصل الملك تبعه الترف واتساع الأحوال. والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية ... ، فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة؛ لضرورة تبعية الرفه للملك" [2] .

يحصر ابن خلدون دلالة لفظة الحضارة - حسب السياق السابق - في مظاهر الترف والعمران الناشئين عن رغبة الملك.

والواقع أن الدولة قد تضعف وتتراجع، وقد تسقط، ويأتي بعدها ملك آخر، فهذا تغيير على مستوى النخبة الحاكمة، في حين تظل مستويات الحضارة كامنة في الشعب، وهذا ما حدث مع الحضارة الإسلامية في كافة عصورها، فكم تبدلت الدول والخلافات، ولكن يظل العلم والعلماء والمؤسسات الحضارية: الفنية والعلمية والشرعية، في منأى عن هذا التبدل. قد تنتعش مظاهر العمران،

(1) راجع: دراسات في الحضارة الإسلامية (بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري) ، د. حسين مؤنس، نشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985 م، المجلد الأول، ص 7، 8، 9

(2) مقدمة ابن خلدون، ج 2، م س، ص 548.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت