الصفحة 16 من 40

هناك التباس بين مفهوم الحضارة والدولة، فالبعض يرى الحضارة هي الدولة، فإذا سقطت الدولة زالت الحضارة، رابطا بينهما. وهذا مفهوم قاصر، وقد انتبه ابن خلدون إلى هذا الأمر، حيث ذكر:"إن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال؛ لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد، والجيل الثاني تحوّل حالهم بالملك والترف من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به، وكسل الباقين عن السعي فيه، من عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة، فتنكسر سودة العصبية بعض الشيء، وتؤنس منهم المهانة والخضوع. أما الجيل الثالث، فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف غايته بما تفنقوه من النعيم ونضارة العيش، فيصيرون عيالا على الدولة، ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم وتسقط العصبية بالجملة" [1]

في النص السابق، يرصد ابن خلدون عمر الدولة زمنيا، من خلال معيار واضح بين الأمم، وهو معيار مأخوذ من دول إسلامية قامت وسقطت في المغرب العربي وفي مصر وفي العراق والشام، إنه معيار العصبية: ويعني الفتوة والقوة والرغبة في بناء المجد، وهذا يستتبعه تحمل شظف العيش في حياة البداوة، وتحمل أهوال المعارك، وهذه تحدث للقبائل التي تأتي من البادية متوحدة خلف زعيم طموح للمجد، ومن ثم يقيم ملكه، ويجعله في ذريته، وهذا هو الجيل الأول، وهو جيل جلِد ثابت كاره للدعة، أما الجيل الثاني فهو يوطد دعائم الملك، ويتوسع في البنيان ومظاهر الحضارة، ويميل قليلا إلى الدعة، في حين يخلد الجيل الثالث إلى الترف والدعة مطلقا، ويفتقر الحماسة والقوة، ويحتاج إلى من يدافع عنه، حيث تكون جماعة طموحة أخرى قد تكونت، لتتقدم وتستولي على الملك الضعيف بسهولة، وتبدأ معها دولة جديدة، وملك جديد، ووفق معياره الزمني فإن عمر الدولة قد يكون ما بين تسعين إلى مئة عام، لأن زمن الجيل ثلاثون سنة.

لا تتوقف رؤية ابن خلدون عند مجرد تغلب الجماعات البدوية كما يبدو من ظاهر كلامه، وإنما تشير إلى حالات الدولة المختلفة، وهو إن كان قد ركّز على تغلب العنصر البدوي، فلأن هذا شائع في زمانه، وفي الأزمنة السابقة عليه، ولكن تبقى هناك شواهد تخالف ما ذكره، فقد يتغلب فرد - دون قبيلة أو عشيرة - على الدولة، ويستطيع من خلال شخصيته الكاريزمية أن يجمع الناس مختلفي القبول على شخصه. كما يمكن أن يستمر ملك الدولة وتتبدل سلالات الملوك، وتبقى الدولة بنفس مسماها، كما في الدولة البيزنطية، والخلافة الأموية التي تبدل الخلفاء فيها بين بيوت بني أمية: من معاوية بن أبي سفيان إلى ابنه يزيد، ثم إلى مروان بن الحكم، وابنه عبد الملك بن مروان، والوليد بن

(1) مقدمة ابن خلدون، ج 2، ص 546.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت