الصفحة 12 من 40

يشارك فيها الفرد، وتكون مركزا مستقلا للحياة، والمصالح والسلوك البشري، وتتميز هذه الجماعة بوجود شعور الجماعة الداخلية والتمركز حول السلالة" [1] ، وهي بالتالي أبسط أشكال التجمع البشري الذي يتجاوز الأسرة الصغيرة. أما المجتمع فهو التجمع الأكبر الذي يشمل مختلف أشكال الجماعات البشرية: الأسرة، العائلات الكبيرة، العشائر، القبائل، القرى، المدن، وقد يكون هذا المجتمع متأخرا، في منأى عن الحضارة، ولكنه يظل مجتمعا له ثقافته الخاصة، وهو ما يسمى المجتمع الإقليمي الشعبي الذي يتميز"بالعادات الشعبية والسنن (التقاليد) وبطء التغيير وسيطرة التخلف الثقافي" [2] ."

وهذا يقابل المجتمع الحضري Urban Society الذي يعرّف بأنه:"ذو المستوى التنظيمي المتقدم في مدن الحضارة .. ، وهو بذلك مجتمع مثالي يتميز بكل تلك السمات التي لا نجدها في المجتمع الشعبي وهي: التعقد، والتباين، وتقسيم العمل، وارتفاع المستوى التكنولوجي، وتباين السلوك، وتقدم التنظيم الاجتماعي، والتقدم العلمي، وطبقا لذلك فإن المجتمع الحضري هو نفسه المجتمع المتحضر" [3] ، فالحضارة - أيا كانت - هي انعكاس لمجتمعها في قيمه وتصوراته وإبداعاته، وهذا ما جعل الحضارات على مر التاريخ تمتاز عن بعضها، رغم التلاقح الفكري والإبداعي فيما بينها.

يقودنا - هذا الطرح - إلى نقطة جوهرية أخرى، وهي أن الحضارات عصارة فكر جماعي وليست جهود فردية، والفكر الجماعي يصهر نفوس الشعب ويشكل عقول المبدعين، فيأتي نتاجهم في سياق هذا التوجه الجمعي العام، وهو توجه نابع من العقائد والقيم والسلوكيات المشتركة بين أبناء المجتمع الحضري؛ مما يلقي الضوء على تميز بعض المبدعين من أبناء مناطق أخرى غير حضارية أو من الأقليات التي تعيش في خضم حضارة كبرى، فإن هؤلاء المبدعين يأتون بإبداعهم ضمن التوجه الحضاري العام، أي أنهم يقبلون الانضواء تحت الحضارة التي يعيشون في كنفها، شاربين من قيمها وتصوراتها ولغتها، وهذا دليل على أن الحضارة هي مشارب عامة تؤطّر الإبداعات الفردية.

والمثال جليّ على ذلك في الحضارة الإسلامية، فقد نبعت تصوراتها من الإسلام دينا وعقيدة، ومع ذلك وَجدَتْ الأقليات الدينية (اليهود والنصارى والفرس وغيرهم) متسعا لمبدعيها، وفق السياق العام لهذه الحضارة. وكان هذا جنبا إلى جنب مع إبداع العلماء المسلمين، الذين ألّفوا بالعربية، وهي لغة القرآن، المحملة بالإشارات الدينية والثقافية.

(1) قاموس مصطلحات الإثنولوجيا والفولكلور، م س، ص 172. أما"الجماعة الخارجية فهي المفهوم المضاد للجماعة الداخلية وهي التي لا ينتمي إليها الفرد ولا يشاركها مثلها العليا دائما"ص 172.

(2) السابق، ص 309.

(3) السابق، ص 309.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت