الصفحة 35 من 40

للنقض والهدم كما يقول الحداثيون، فأن يكون الجهد الحضاري الإسلامي معطاء أي يتم البناء عليه، فالفنون والعمارة الإسلامية - مثلا - فيها من الإبداع والانطلاق من الروح الحضارية والثقافة المشتركة بين الأمة وأنجزت وفق بيئة الأقاليم المسلمة المناخية والثقافية والاجتماعية، وهذا أساس يمكن البناء عليه من قبل المعماريين الإسلاميين المعاصرين، ومن قبل الفنانين أيضا، بدلا من الوقوف عند استيراد المذاهب الغربية - النابعة من بيئة وقيم مخالفة لنا - ومحاولة تطويع هذه المذاهب لتلائم ثقافتنا أو الذوبان فيها، والتفكير من خلالها وفرضها على مجتمعاتنا فرضا.

إن الرؤية الإسلامية للحضارة لم تأت من فراغ، وإنما صدرت عن تأمل عميق فيما أنجزه المسلمون منذ بعثة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وما قدموه للإنسانية من هداية، ومعارف، وعلوم، حتى سادوا الأرض. ولأن الكثيرين تلقوا التاريخ الإسلامي مشوها، مجتزئا، ممزقا؛ يعرض المحن والأزمات التي أصابت الأمة، وصراعات الخلفاء والأمراء، ومظاهر من الانحرافات المبالغ فيها، وكثير منها مرجعه أساطير ألف ليلة وليلة، وكتاب الأغاني للأصفهاني، لتكون الصورة في مجملها سلبية، إلا من بعض نقاط الضوء التي تظهر في شخصيات (سياسية) عظيمة مثل: الفاروق عمر، والصديق أبي بكر، وصلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قطز، أو شخصيات علمية مثل: ابن الهيثم، ابن سينا، الرازي، ابن كثير، ابن تيمية ... إلخ.

وبالنسبة للفساد والترف الذي ساد فترات في المجتمعات الإسلامية الحضارية، وبالغ بعض المؤرخين والمستشرقين ومن شايعهم في وصفه، فإنه ليس ظاهرة عامة؛"فمن حسن الحظ أن الطبقات الحاكمة انفصلت عن جماهير الأمة في عالم الإسلام، فاقتصر فسادها على أفرادها، وبقيت كتلة الشعب سليمة البنيان رغم الفقر الشديد، وقد أحاط الإسلام جماهير الأمة الإسلامية بإطار أخلاقي معنوي، وذلك بتقويةٍ لروابط الأسرة والعلاقات بين الناس؛ فسلمت الأسر من التدهور والتفكك، ونفر الناس من الفساد ومظاهره. وفي مستويات الجماهير ينظر الناس إلى شارب الخمر وزير النساء وقليل الذمة نظرةَ احتقار ونفور؛ ولهذا، وعلى رغم وجود هذه المفاسد في إطار سيئ، فإن نظم الحكم وتدهور أخلاقيات أهله في العصور الماضية. أما تدهور كتلة الشعب كما حدث لأهل روما أو القسطنطينية فشيء لم تعرفه الحضارة الإسلامية قط، وظلت الأمة الإسلامية في مجموعها أمة فاضلة" [1] .

إن النظرة الأفقية للحضارة الإسلامية، التي لا تقف عند تاريخ الدول والأمراء والملوك، وإنما تدرس أحوال الأمة، ومؤسساتها، وجهود علمائها ومفكريها ودعاتها، ودورهم مع الأمم الأخرى؛ ستكون هي المدخل الأمثل لفهم الحضارة الإسلامية. وهذه لا تهمل السلبيات في تاريخ الأمة، ولكنها تتعامل

(1) الحضارة، د. حسين مؤنس، م س، ص 55، 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت