تعاملا شفافا، وفق مقاييس العطاء الحضاري والثقافي للمجتمعات الإسلامية، دون النظرة الرأسية التي ترصد قيام وسقوط الدول والإمارات، وتبدل الحكام، وصراعات الولاة، وهي موجودة في تاريخ الأمم الإسلامية، شأنها شأن أي أمة من الأمم حتى يومنا هذا، وهناك الكثير من المصادر الغربية - ناهيك عن المصادر العربية والإسلامية - التي أنصفت الحضارة الإسلامية، ولكن لا يلقى عليها الضوء بشكل لافت، وبعضها لا يشار إليه، وقد يكون من الأفضل الإشارة إلى بعض الكتب الغربية التي خطّها المستشرقون، مشيدين فيها بحضارة المسلمين، بشكل موضوعي ومرتب، ومنها كتاب:"شمس العرب تسطع على الغرب"للمستشرقة الألمانية"زيغريد هونكه"، وقد تناولت فيه تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية بإطلالة عامة على مجمل التاريخ، وبشكل مكثف، وبسرد مشوق، وعبر فصول الكتاب الكبير سوف نرى كيف كان للتجار الأوروبيين دوركبير في تعرف أمم الغرب على حضارتنا في ذلك الوقت. وكيف كان للدين الإسلامي الفضل في نشر التراحم والسلام بين الأمم. وكيف كان المسلمون هم أول من أسس المستشفيات التي كانت عبارة عن مؤسسات عملاقة تشمل التدريب للأطباء المتدربين والصيادلة والممرضين ولجان تقوم بتخريجهم واختبارهم وكيف كانت تتم العمليات الجراحية والتي ما زالت تتم بنفس الأسلوب حتى يومنا هذا هذا فيما يخص العلوم التطبيقية، أما فيما يخص البحث العلمي فحدث ولا حرج في ميادين: علم التشريح ووصف وظائف الأعضاء مثل الدورة الدموية والجهاز العظمي ثم الأدوات الجراحية وعلم التخدير، ثم تعرض المؤلفة إسهام العلماء المسلمين في علم الفلك والرياضيات والفيزياء والميكانيكا وكيف أنهم كان لهم جهود جبارة في نفع البشرية بترجمة علوم الأمم السابقة وكم كانوا شغوفين بكل ما له صلة بالكتب والمكتبات وصناعة الورق، وتعترف بالفضل والسبق والإبداع للعلماء المسلمين، ودورهم في الحفاظ على تراث البشرية من الحضارات السابقة: اليونانية، الفارسية، الهندية، وغيرها، ونقله إلى الحضارة الأوروبية، وترى أن فضل المسلمين لا يدانيه فضل آخر في القيم والأخلاق وسائر العلوم والفنون [1] .
ويمثل كتاب"الحضارة الإسلامية"للمستشرق"آدم متز"رؤية أكثر خصوصية لأحد قرون حضارة الإسلام، وهو القرن الرابع الهجري، حيث نجد تتبعا دقيقا من خلال المصادر الإسلامية: المخطوطة والمطبوعة في مكتبات الغرب، وقد رأى أن تعدد الدول الإسلامية غير ضار بالأمة الإسلامية، فقد صارت كل هذه الأقاليم تؤلف مملكة واحدة سميت مملكة الإسلام تمييزا لها عن مملكة
(1) شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه، ترجمة: فاروق بيضون، كمال دسوقي، نشر: دار صادر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 8، 1964 م، يذكر أن اسم الكتاب الأصلي: شمس الله تشرق على أوروبا، وقيل أيضا: شمس الإسلام تسطع على أوروبا، وأنه تم تحوير اسم الكتاب لأنه نشر في فترة المد القومي العربي إبان حقبة الستينيات، بالطبع فإنه من الخطأ نسبة إنجازات الحضارة الإسلامية إلى العنصر العربي فقط، وإنما هي إنجازات المسلمين، ومن عاش في ظل الحكم الإسلامي من غير المسلمين.