الكفر، وقامت في الحقيقة وحدة إسلامية بين المسلمين، لا تتقيد بالحدود السياسية بين الدول. وقد امتدت مملكة الإسلام من"كاشغر"في أقصى المشرق (حدود الصين والهند) إلى السوس الأقصى في المغرب (مملكة سودان الذين يسكنون على ضفاف المحيط الأطلسي) ، وشماليها بلاد الروم وما يتصل بها من الأرمن واللان والخرز والبلغار والصقالبة وجنوبيها بحر فارس، وهي تقطع في عشرة أشهر كاملة، من الشرق إلى الغرب."وكان المسلم يسافر في داخل حدود هذه المملكة في ظل دينه، وتحت كنفه، وفيها يجد الناس يعبدون الإله الواحد الذي يعبده، ويصلون كما يصلي، وكذلك يجد شريعة واحدة، وعرفا وعادات واحدة ... ، وفيها قانون عملي، يضمن للمسلم حق المواطن، بحيث يكون آمنا على حريته الشخصية أن يمسها أحد، وبحيث لا يستطيع أن يسترقه أحد على أية صورة من الصور" [1] . ويقارن"متز"بين الغرب المسيحي في هذا الوقت، ومملكة الإسلام في مقارنات عديدة، وهو يصر على أن روح الإسلام كانت ظاهرة وحاضرة في كل أقاليم العالم الإسلامي، وأن المسلمين كانوا نماذج في النبوغ العلمي، والمهارة الإدارية، ومن أمثلة ما يورده من مقارنات: مقارنته بين المكتبات، فعلى حين كانت خزانة الكتب في مكتبة الكاتدرائية بمدينة كانتستانز في القرن التاسع الميلادي ثلاثمئة وستة وخمسون كتابا، وفي دير البندكتين عام 1032 م ما يزيد على المائة بقليل، وفي كاتدرائية بامبرج عام 1130 م ستة وتسعون كتابا فقط [2] . أما في مملكة الإسلام، في أواخر القرن الرابع الهجري، فقد كان الملوك يفاخرون بجمع الكتب، وكان الحكم صاحب الأندلس يبعث رجالا إلى جميع بلاد المشرق ليشتروا له الكتب عند أول ظهورها، وكان فهرس مكتبته يتألف من أربع وأربعين كراسة، كل منها عشرون ورقة، أما مكتبة الخليفة العزيز (حاكم مصر، توفي 386 هـ، 996 م) فكان فيها ألف وستمائة ألف كتاب، وبها مئة وعشرين ألف مجلد، وذكر ابن الطوير أن المكتبة تتألف من رفوف عدة، مقطعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل، وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مايزيد على مائتي ألف كتاب [3] ، هذه المقارنة تظهر أمرا غاية في الأهمية، ويرتبط أي ارتباط بالقيم الحضارية، وهي قيمة العلم، وما يتفرع عنها من تقدير العلماء، والحفاظ على المكتبات، فالأرقام تعكس حالة عامة في مملكة الإسلام - على اختلاف دولها - بحب العلم، والتنافس في مجالات التأليف والترجمة والاقتناء.
وحتى القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين كان العلم العربي / الإسلامي باحثا عن الأمل في التطور إلى أقصى ما وصل إليه العالم من تقدم، وكان المسلمون أصحاب المنهج التجريبي في البحث،
(1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، آدم متز، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريدة، منشورات: مكتبة الأسرة (سلسلة العلوم الاجتماعية) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2008 م، ص 20، 21.
(2) السابق، ص 278.
(3) السابق، ص 277.