وسبقوا فلاسفة أوروبا في ذلك، والأهم أن العلماء المسلمين كانت لديهم القدرة على تجاوز المحن، فقد خرب التتار بغداد عام 1258، ولكن بقيت الحضارة الإسلامية صامدة منتصرة، وأعيد إحياء الثقافة والمؤسسات في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي، وكانت القاهرة ودمشق تمثلان ذروة التقدم العلمي الإسلامي، وفي الوقت الذي كان يفترض فيها أن تؤدي العوامل السياسية الخارجية إلى الانهيار، كان المسلمون قادرون على الحفاظ على علومهم ومبتكراتهم [1] .
إذن، عندما يذكر"الإسلام"فهو لا يعني الدين فقط (العبادات والشعائر) ، وإنما يعني هذا التراث الحضاري الضخم الذي تأسس وامتد في مملكة الإسلام العريضة، التي كانت تشغل أكبر مساحة في العالم القديم، والتي امتدت في حكمها ووحدتها أكثر من ألف وثلاثمائة عام.
وقد انعكست الرؤية الإسلامية الحضارية بشكل مذهل في كثير من مجالات الفنون، لدرجة أن علماء الغرب ومستشرقيه وهم يتأملون الإبداعات الزخرفية والفنية الإسلامية يرون أن جميع الفنون في دار الإسلام تتكلم نفس اللغة أساسا، ومثال ذلك: أن المقارنة بين أعمال الخزف في مراكز مختلفة شديدة التباعد، مثل إيران وبلاد الشام ومصر أو منطقة الفولجا أو في منازل القطيع الذهبي في مناطق القرجيز في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي تثبت لنا هذه النقطة بغاية الوضوح، ألا وهي روح الإسلام [2] ."فالشخصية الإسلامية ظاهرة في الفنون والصناعات إلى درجة أنها تتجلى حتى بعد أن تكون المنطقة التي صنعت فيها مثل الأندلس أو صقلية قد عادت إلى السيطرة المسيحية، وهكذا يتضح أن الإسلام كان له أثر قوي جدا، بل كانت له قوة حيوية انعكست على جميع الفنون التي نشأت في عالم الإسلام، ولكن، ومع إقرارنا بهذه الحقيقة، ينبغي أن نؤكد مرة ثانية، أن هناك بطبيعة الحال اختلافات توجد تحت مظلة الحضارة الإسلامية العالمية، .. إذ يبدو أنه كانت هناك مواقف مختلفة من العمل الفني تتميز به بعض الأقاليم الكبيرة من عالم الإسلام" [3] .
وهذا يعطينا قيمتين مهمتين: الأولى: أن الإسلام ليس مجرد دين فقط، إنه رؤية فكرية وفلسفية، يسهل استيعابها، وصياغتها في أشكال فنية وإبداعية، وهي صياغة يشترك فيها كل فنان مسلم، مهما تناءت به البلدان، واختلف الزمان.
(1) راجع: فجر العلم الحديث: الإسلام، الصين، الغرب. توبي أ. هاف، ترجمة: د. أحمد محمود صبحي، الجزء الثاني، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، أبريل 1997 م، ص 18، 19.
(2) انظر: تراث الإسلام (الجزء الأول) ، جوزيف شاخت، كليفورد بوزورث، ترجمة: محمد زهير السمهوري، حسين مؤنس، د. إحسان صدقي العمد، تعليق وتحقيق: د. شاكر مصطفى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، الطبعة الثالثة، مايو 1998 م، ص 260 - 261.
(3) تراث الإسلام (الجزء الأول) ، ص 262.