الصفحة 39 من 40

القيمة الثانية: إن الحضارة الإسلامية العالمية قديما، سمحت بالتميز الإقليمي بين الدول الإسلامية الكبرى مثل مصر وتركيا وإيران والعراق، ورغم التميز بين الأقاليم الإسلامية في مسيرة حضارتها الزاهرة، إلا أننا نلاحظ"وحدتها أي تشابهها في الروح والخصائص المميزة لها أيا كان ميدانها" [1] لقد أثرى التميز الإقليمي الفنون الإسلامية، مستلهما العطاء الحضاري لهذه الدول، وهو عطاء ضارب في القدم، وموغل في الإضافة بحكم الكثافة السكانية لهذه الدول، وما تقدمه من علماء وفنانين.

وقد كان للفن الإسلامي مفردات خاصة به، مثل: الحرص على النقش بالخط العربي في جدران المساجد والقباب والمآذن، وفي سجادات الصلاة، وعلى الأواني، وهي سمة رصدها الباحثون بجلاء، وفي عصور عدة، وقد لاحظوا أن بعضها قد يكون آيات قرآنية أو أمثلة عربية أو أبياتا شعرية، أو كلمات متفرقة."إن هذه النقوش تتضمن رسائل غير لفظية، كانت مفهومة لكل المسلمين، ولو كان النقش بالحروف الكوفية التي تصعب قراءتها حتى على المتخصصين، ذلك أن النقش المكتوب بالحروف العربية المبجلة، التي هي أداة التعبير عن القرآن؛ كان يثير في النفس أصدق مشاعر التوقير والإجلال، ويجعل الناظر إليه يشعر بأنه عضو في الأمة الإسلامية" [2] .

فالحروف العربية من الروابط التي جمعت الفنانين المسلمين في العالم الإسلامي، وكانت همزة الوصل بين الفنان المسلم ومتلقيه، فحينما يجد المسلم العادي الأحرف العربية في النقوش المختلفة، فهي تحيله بشكل مباشر إلى المعين الأساسي للرؤية الإسلامية ألا وهو القرآن الكريم، الذي نال الحرفُ العربي شرف النطق والكتابة به.

وعلى صعيد آخر"فسواء نظرنا إلى الفقه أو الشريعة أو الفلسفة أو الطب أو الصيدلة أو العمارة، فإننا نحس أن بينها - وعلى اختلافها في الطبيعة الخاصة لكل منها - خيطا رفيعا رابطا يحس به الإنسان لأول وهلة، وهذا الخيط غير المنظور هو الذي يشعرنا بأن هذه ميادين من حضارة واحدة، فإذا نظرنا جليا وجدنا أن ذلك الخيط يرجع في نهاية الأمر أو بدايته بتعبير أصح إلى الإسلام، فالإسلام: عقيدة وشريعة ونظام اجتماعي وخط سلوكي وحضاري، والأربعة الأولى هي القوائم التي قام عليها بناء الحضارة الإسلامية في شتى صورها وأشكالها" [3] .

أما القيم الأساسية للحضارة الإسلامية - بعد الإيمان بالله تعالى، وعظم النظرة الكونية وسمو رسالة المسلم - فتبدو فيما يلي [4] :

(1) دراسات في الحضارة الإسلامية بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري، م س، د. حسين مؤنس، ص 4.

(2) السابق، ص 366.

(3) دراسات في الحضارة الإسلامية بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري، م س، د. حسين مؤنس، ص 4.

(4) انظر: معالم الحضارة الإسلامية، د. مصطفى الشكعة، دار العلم للملايين، بيروت، ط 5، 1987 م، ص 33، 34، مع إيجاز في نقاط من جانبنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت