وقد يعتقد البعض أن الغزو المغولي على بغداد سنة (656 ه) ليس وراءه هدف فكري أو عقائدي أو اقتصادي، وهذا خطأ محض، حيث يقول المؤرخون: إن المغول لم يكن غزوهم لبغداد - أم الحضارات - غزوًا همجيًا لا يحمل في طياته آثارًا فكرية أو عقائدية إنما كان غزوًا عقائديًا لترسيخ عقيدتهم الوثنية الخرافية الهوسية في الأرض، وإنما استهدفت بغداد، لأنها كانت مهد الحضارات وزهوها في مختلف المجالات العلمية، وإن لم يكن عقائديًا أو فكريًا فما حملهم على أن يلقوا بالكتب العلمية والمؤلفات في نهر دجلة حتى أن ماءه أصطبغ بلون المداد الذي كتبت به.
والغزو الفكري بادئ ذي بدء لم يأخذ حيزًا كبيرًا في عقول العرب والمسلمين، إلاَّ في فترة العشرينات والثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي حيث روج له المروجون من المتغربين من العرب، حتى قيضه الله بالمد الفكري الإسلامي الذي أخذ يطفو على السطح رويدًا رويدًا، ليدثر هذه الأفكار الضآلة المنحرفة التي تقود إلى جادة الظلامية والفساد.
إن ظهور الثورة الصناعية بشكلها التقليدي في منتصف القرن الثامن عشر في انكلترا، ثم أوربا وحيث سمح ترويض البخار والحديد ثم الكهرباء، لزيادة الإنتاج وقهر المحيطات، ومن ثم خرجت أوربا من قوقعتها الاقتصادية الزراعية المنغلقة إلى ربوع الأسواق العالمية والاستعمار، فاشتد عود الدولة المعاصر وهي بعد حديثه لم تظهر معالمها إلَّا منذ القرن السادس عشر، ولم تتأكد أركانها الأساسية في أوربا إلاَّ بعد حرب نابليون، بل وحتى هزيمة ابن أخيه نابليون الثالث وظهور الدولة الألمانية على يد (بسمارك) كقوة اقتصادية وسياسية في أوربا، ثم بدأت الثورة الصناعية تدخل مرحلة جديدة من نوع التطورات التقنية، بدءً من الستينات، ثم جاء بعد ذلك عصر الاليكترونيات والاتصالات والانتقال من اقتصاد الأشياء إلى اقتصاد المعلومات وهكذا كانت جذور العولمة [1] .
(1) أيمن نور الدين عمر، العولمة ومستقبل البشرية، ص 12، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1.