المطلب الرابع
التمييز بين عالمية الإسلام وعولمة الغرب
إن عالمية الإسلام تختلف اختلافًا جذريًا عن العولمة التي جاء بها الغرب، فعالمية الإسلام قائمة على المحبة والمودة والرحمة والتكافل بين جميع أفراد المجتمع، قال الله تعالى: {وَما أَرْسَلنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) ، وعن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ ) ) [1] .
وقد عرفنا وصايا الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) عندما كان يرسل جنوده إلى الأمصار فيدعوهم إلى الرحمة بالكبير والصغير وينهاهم عن قطع شجرة أو هدم بيت إلى غير ذلك، بينما نجد أن العولمة تدعو إلى الهيمنة، واستلاب حريات الآخرين، وتبديد الأموال وانتهاك حرمتها وصب ذلك لصالح الرأسمالية العاتية، بل لحساب حفنة من النخب الرأسمالية.
فالإسلام رسالة خير وسلام ورحمة للبشرية كلها، دعا إلى التراحم، وجعل الرحمة من دلائل كمال الإيمان، فالمسلم يلقى الناس وفي قلبه عطفٌ مدخور، وبرّ مكنون، يوسع لهم، ويخفف عنهم، ويواسيهم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لن تؤمنوا حتى تراحموا ) )، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: (( إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة ) ) [2] .
فليس المطلوب قصر الرحمة على من تعرف من قريب أو صديق، ولكنها رحمة عامة تسع العامة كلهم، وأحاديث رسول الله تُبرز هذه العموم في إسداء الرحمة، والحث على إفشائها وانتشارها.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا يرحم الله من لا يرحم الناس ) ) [3] ، وفي رواية أخرى: (( من لا يرحم لا يُرحم ) ) [4] .
(1) أخرجه الطبراني في الكبير برقم (751) ، وأورده الهيثمي في المجمع 8/ 167، وقال: (رواه الطبراني والبزار، وإسناد البزار حسن) .
(2) صحيح الترغيب والترهيب 2/ 272 برقم (2253) قال الألباني: (حسن لغيره، رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح) .
(3) أخرجه البخاري 9/ 115 برقم (7376) ، وغيره.
(4) أخرجه البخاري 8/ 7 برقم (5997) ، ومسلم 4/ 1808 برقم 65 - (2318) وغيرهما.