يقول ابن بطال (رحمه الله) : (في هذه الأحاديث الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم والرفق بها. وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب ويكفر به الخطايا، فينبغى لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرحمة، ويستعملها في أبناء جنسه وفى كل حيوان، فلم يخلقه الله عبثًا، وكل أحد مسئول عما استرعيه وملكه من إنسان أو يهيمة لا تقدر على النطق وتبيين ما بها من الضر، وكذلك ينبغى أن يرحم كل بهيمة وإن كانت في غير ملكه، ألا ترى أن الذى سقى الكلب الذى وجده بالفلاة لم يكن له ملكًا فغفر الله له بتكلفة النزول في البئر وإخراجه الماء في خفه وسقيه إياه، وكذلك كل ما في معنى السقى من الإطعام، الَا ترى قوله عليه السلام:(( ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلَّا كان له صدقة ) ). مما يدخل في معنى سقى البهائم وإطعامها التخفيف عنها في أحمالها وتكليفها ماتطيق حمله، فذلك من رحمتها والإحسان اليها، ومن ذلك ترك التعدى في ضربها وأذاها وتسخيرها في الليل وفى غير أوقات السخرة، وقد نهينا في العبيد أن نكلفهم الخدمة في الليل فإن لهم الليل ولواليهم النهار، والواب وجميع البهائم داخلون في هذا المعنى) [1] .
ورحمة الله على العباد تُستجلب بطاعته وطاعة رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) ، والاستقامة على أمر الإسلام، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران: 132) ، كما تُستجلب بتقوى الله، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10) ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَءامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الحديد: 28) .
ومن أعظم ما تُستجلب به رحمة الله هي الرحمة بعباده، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) ) [2] .
ومن مواطن الرحمة الإحسان في معاملة الخدم، والترفق بهم فيما يكلّفون به من أعمال، والتجاوز عن هفواتهم، وليحذر المرء من سطوة التصرف، فيسخّرهم ويسخر منهم، فإن الله إذا ملك أحدًا شيئًا فاستبد به وأساء سلبه ما ملك، ويُخشى عليه من سوء المنقلب.
(1) شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/ 219.
(2) أخرجه أبو داود 4/ 285 برقم (4941) ، والترمذي 4/ 323 برقم (1924) ، وأحمد 11/ 33 برقم (6494) ، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/ 594 برقم (925) .