وهؤلاء ياسر وزوجه سمية وابناهما عمار وعبد الله، قد غضب عليهم مواليهم بنو مخزوم غضبًا شديدًا صبوا عليهم العذاب صبًّا، كانوا يخرجونهم إذا حميت الظهيرة فيعذبونهم برمضاء مكة [1] ويقلبونهم ظهرًا لبطن [2] , وقد وجاء أبو جهل إلى سمية فقال لها: ما آمنت بمحمد إلا لأنك عشقته لجماله، فأغلظت له القول, فطعنها بالحربة في ملمس العفة فقتلها، فهي أول شهيدة في الإسلام رضي الله عنها [3] .
ومات ياسر تحت العذاب، وعاش عمار وعبد الله بعد أهلهما زمنًا يكابدان من صنوف العذاب ألوانًا [4] .
وغير هؤلاء من الصحابة الكرام كثير كالزبير وسعد ومصعب وخباب وابن مسعود وعثمان بن مظعون وخالد بن سعيد وغيرهم كثير كانت قريش تتفنّن في إيذائهم [5] .
ولقد سعى المسلمون للتحصّن ضدّ إيذائهم بطرق كثيرة، من هذه الطرق:
الدخول في حمى بعض الوجهاء؛ كما فعل عثمان بن مظعون حين دخل في جوار الوليد بن المغيرة، وكما فعل أبو بكر الصدّيق حين دخل في جوار ابْنِ الدَّغِنَةِ، وكما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين دخل في جوار عمّه أبي طالب منذ بداية الدعوة الجهريّة إلى وفاة أبي طالب في العام العاشر من البعثة، ثم دخل في جوار المطعم بن عديّ بعد عودته من رحلة الطائف.
لكنّ أمر الجوار لم يكن ميسورًا لجميع المسلمين، فبقي أنّ عمومهم وهم ضعفاؤهم باقين في إيذاء المشركين الذي يصبّ عليهم بالليل والنّهار، فلم تكن حيلة الجوار هذه مخرجًا من أزمة المسلمين العامّى بقدر ما كانت حلًّا مؤقتًا لمواقف عابرة.
ومن الطرق التي كفلت للمسلمين بعض الحصانة من إيذاء المشركين: إسلام بعض الشخصيّات الهامّة صاحبة الوجاهة في مكة، كعمر بن الخطاب، وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، وقد عمل المشركون لهذين الرجلين حسابًا كبيرًا، لما كان
(1) السيرة النبوية، لابن هشام: (2/ 68) .
(2) بهجة المحافل، للعامري: (1/ 92) .
(3) انظر: محنة المسلمين في العهد المكي، د. سليمان السويكت: (ص 99) .
(4) انظر: محنة المسلمين في العهد المكي: (ص 100) .
(5) انظر أخبارهم في السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، الدكتور علي محمد الصلابي: (ص 145 - 162) .