الصفحة 16 من 118

فيهما من الجلد والقوة في أمر الله، فأعزّ الله بهما الإسلام، وقد أدرك المشركون ذلك منذ الوهلة الأولى حتى قال صهيب وابن عباس:"لما أسلم عمر قال المشركون: انتصف القوم منا" [1] ، وقد أصابتهم من أجل ذلك كآبة لم يصبهم قطّ مثلها [2] .

ويؤكّد عبد الله بن مسعود ذلك بقوله:"ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر" [3] ، وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود:"كان إسلام عمر عزًّا، وهجرته نصرًا، وإمارته رحمة" [4] .

لكنّ تلك الحصانة كذلك لم تحل دون وقوع الأذى على المسلمين من مشركي مكة، فقد كانوا يومئذ كثير وما كان لرجلين أن يضما تحت جناحيهما هذا العدد الكبير ويحمونهم، ولئن تكنوا من ذلك بالنسبة لبعض الأحرار فما كان لهم من تمكن على الأرقاء الذين كان مالكوهم يؤذونهم ويعذّبونهم، وحتى بالنسبة للأحر فإن الأحوال قد اختلفت مع مرور الوقت وتسارع الأحداث حين أصاب السعار أهل مكة وهم يرون محاولاتهم في صد أتباع الإسلام لا تفلح فجن جنونهم وقرروا تجاوز كلّ الحدود، حتى ضرب الجميع حدّ الموت وإوذي الجميع حدّ المهانة، وكان فيمن ضرب وأوذي عمر نفسه، وكذا أبو بكر، بل والنبي صلى الله عليه وسلّم!

وكان من الطرق التي تحصّن بها النبي والمسلمون من إيذاء المشركين كذلك: الصبر، ويظهر ذلك من الآيات الكثيرة التي نزلت في هذه الفترة تأمر النبي ومن معه بالصبر وتذكرهم بأصحاب الدعوات من قبلهم كيف نابهم الأذى وكيف صبروا عليه، كما نقرؤه في سور: المزمل والإنسان، والنمل، ويوسف، وفصلت، وهود، ويونس وغيرها.

لكنّ كثيرًا من المسلمين لم يصبروا تحت وطأة التعذيب، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من أجابهم - بلسانه- إلى ما يطلبونه من الكفر، ومنهم من بالغ المشركون في أذيّته حتى فاق كلّ وصف ولم يعد بينه وبين الموت إلا ذراع!

(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 354) ، وابن سعد في الطبقات (3/ 269) .

(2) انظر فتح الباري، لابن حجر: (7/ 392) .

(3) أخرجه البخاري (3408) .

(4) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 574) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت