الصفحة 17 من 118

مخرج من المأزق: كانت تلك المحاولات جميعها في التذرّع بالحصانات المختلفة ابتغاء التكيّف مع الأوضاع في مكّة عسى أن يأذن الله لقلوب أهلها أن تقبل الإسلام، ولعيونهم أن ترى آياته، ولآذانهم أن تسمع هداه، لكنّ ذلك لم يفلح مع أولئك الكافرين!

وجاء التفكير في طرق جديدة لإنقاذ الدعوة، ومنعها من الاضمحلال، فكانت طرق ثلاث على مائدة التفكير:

1)إخراج بعض المسلمين - لا سيما ضعفاؤهم - إلى بلد آمن يستطيعون الحفاظ فيه على دينهم وأنفسهم وكانت هذه فكرة الهجرة إلى الحبشة.

2)عرض فكرة الإسلام الإيمان بها ومناصرتها على القبائل التي ترد إلى مكة في موسم الحج وغيره لعل أحدها يوفّق إلى ما لم يوفّق إليه أهل مكة.

3)البحث عن وطن قريب من مكة ينتقل إليه النبي والمسلمون ويقيمون فيه دولة الإسلام التي ينتشر منها الخير ويعمّ أرض الجزيرة فالعالم.

كانت هذه هي الطرق المتاحة للخروج من المأزق أمام جمود الدعوة وموتها في مكة، فلو بقي الوضع على ما هو عليه لا شك أن الدعوة ستسحق تحت أساليب الاضطهاد التي يتبعها المشركون ضدها، وقد بدأ التنفيذ لهذه الطرق معًا، فكانت الهجرتان الأولى والثانية إلى الحبشة، وكان عرض النبي صلى الله عليه وسلّم نفسه على القبائل في موسم الحج والتجارة، وكان خروج النبي إلى الطائف للبحث عن موطن للدعوة تنتقل إليه.

أما الخروج إلى الطائف فلم يؤت ثمرته المرجوّة وحرم أهله التوفيق للمهمّة العظمى في العالم، وأما الهجرتان إلى الحبشة فقد نجحا نجاحًا باهرًا، وكذا الحديث إلى قبائل العرب قد آتى ثمارًا مبشرة ففتح الله قلوب أهل يثرب للإسلام في عام بعد عام بعد عام، وبعد أن كانوا في العام الأول ستة أفراد، أصبحوا في العام الثاني اثني عشر رجلًا ثم صاروا في العام الثالث بضعًا وسبعين نفسًا من المسلمين من أهل يثرب، ولم يكن هؤلاء كلّ المسلمين بها فقد خلّف كل منهم وراءه من المسلمين عشرة أنفس أو يزيد، وما كان هؤلاء إلا بعثة ابتعثوها بين يدي طلبهم أن يشرفوا برسول الله بينهم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت