ظهر الطريق إذًا ولاح المنفذ للخروج؛ هجرة ناجحة إلى الحبشة تكرر نجاحها في المرتين، وتبشر بأن طريق الفتح هجرة مثلها، وهاهي أرض تلبّي النداء، فلتكن الهجرة إذن إلى الذين يلبون النداء، فيا أيّها المستضعفون في مكة قد جاءكم من الله نور وفتح قريب فأبشروا ببشرى الله لكم، بأمان ووطن وعزّ وسيادة.
"تلك مشيئة القدر العالي هيأت للدعوة مجالها الخصب، وحماها الأمين، والسنوات العجاف التي قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم نضالًا مستمرًا، وكفاحًا دائمًا، وتطوافًا على القبائل، والتماسًا للحليف، قد ولت إلى غير رجعة، سيكون بعد اليوم للإسلام قوته الرادعة، وجيشه الباسل وسيلتقي الحق بالباطل ليصفي معه حساب الأيام الخوالي، والعاقبة للمتقين، وستتوالى على مكة منذ اليوم مواكب الخير وطلائع النور التي هيأها الله للخير لتتصل بالهداية وتسبح في النور، وتغترف من الخير، وترجع إلى يثرب بما وعت من خير، وبما حلمت من نور" [1] .
كانت الهجرة الطريق المفتوح لإخراج نبتة الدعوة من هذا المكان الصخري الذي لا تغرس فيه ولا تنبت إلى مكان آخر قد غرست فيه وأنبتت وازدهرت وبدا ظهور ثمارها اليانعة يبشّر بمستقبل مزدهر.
ما الذي كانت تمثله الهجرة يومئذ بالنسبة للإسلام ونبيّه والمؤمنين به؟
لقد كانت الهجرة بمثابة الروح التي ستنفخ في جسد الدعوة لتحيا بعد جمود وتنطلق بعد وقوف وتنهض بعد كبوات عظيمة.
لقد كانت تمثل الماء لهذا الجسد ترويه وتحييه وتقويه، ثم تمدّه بنشاط وقوة جديدين لاستكمال الهدف من بناء الدولة وبث الدعوة وتدبّر أمر العالم وأستاذيته.
"إنّ الحكمة الأساس من الهجرة، هي أن رسالة الإسلام جاءت لتنظم شؤون الناس في شتى مجالات الحياة، فهي دستور ومنهج شامل، لا بد لتطبيقه من أمة وأرض تقام فيها أحكام الله تعالى، والمسلمون لا يمكن أن يكون لهم وجود فِعلي، إلا إذا صبغ الإسلام جميع مرافق حياتهم، وساد نظامه أرضهم، وقامت فيها أحكامه وآدابه، كما تقوم فيها شعائره، وتسود فيها عقائده."
(1) انظر: أضواء على الهجرة، توفيق محمد سبع: (ص 273، 274) .