لكن إذا تعذر على المسلمين تطبيق أحكام دينهم، وإقامة نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وآدابه الخلقية في بلدهم، وجب عليهم الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيه بأحكام الإسلام وآدابه، تكثيرًا لسواد المسلمين، وإعزازًا لأمر الدين، واستعدادًا لنصره، وتأييده بالنفس والنفيس، وإذا لم يكن للمسلمين بلد تتوافر فيه هذه الشروط، وجب عليهم أن يجتمعوا في بقعة صالحة يقيمون فيها نظام الإسلام تامًّا كاملًا، ويتعاونون على حماية دعوته، واتخاذ الأسباب والوسائل لتحقيق رسالة الإسلام كما جاء بها صاحبها صلوات الله عليه، وكما فهمها منه أصحابه والتابعون لهم بإحسان [1] .
ومن موافقات الله السعيدة أن يأتي التجهيز والإعداد للهجرة في ذات الوقت الذي يستعدّ فيه المشركون لإصابة الإسلام في مقتل، لقد كانوا يأتمرون ليقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، أو يسجنوه، أو ينفوه إلى بلد آخر، وقد استقرّ رأيهم الأخير على خيار القتل لأنه يمثل الراحة الأبديّة لهم من هواجسهم، وبدأوا الإعداد لتنفيذ غرضهم في يوم ودبّر الله لنبيّه الخروج من بيته مهاجرًا في نفس ذلك اليوم.
هل سمع المشركون بأمر الهجرة وبلغهم خبر الجماعة المبايعة من الأنصار؟ بالقطع لا، فإن ذلك العمل العظيم من الحوار بين النبي والأنصار جرت أحداثه في ثلاث سنوات من السريّة التامّة.
لكنّه تدبير الله الذي أنقذ نبيّه من بين أيديهم وأخرجه للهجرة ومفارقة مكة إلى وجهته الجديدة حيث المستقرّ والطمأنينة للدين والدولة.
أفرأيت إن نجح المشركون في هدفهم يومئذ فقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ ماذا كان مصير الإسلام؟
أفرأيت إن منعوه من الهجرة وأوثقوه فسجنوه حتى لو لم يقتلوه؟
أفرأيت إن بقي الإسلام في مكة ولم يجد منفذًا أو مخرجًا في بلدة حوله أو بعيدًا عنه؟
أفرأيت إن نجح المشركون في تعقّب النبي وأبي بكر يوم الهجرة فدلّهم الشيطان أو دلتهم عقولهم على مخبئهما في الغار فدخلوه عليهما؟
أفرأيت إن تمكن منهما سراقة بن مالك فأسرهما أو قتلهما؟
(1) من إلهامات الهجرة، محب الدين الخطيب: (ص 53) .