إن كلّ هذه السؤالات محض فرضيّات أفترضها على عقل القارئ الكريم وهي جائزة في حكم العقل، لكنها كانت تكون كذلك في قضاء الله لو كان ذلك الدين محض دعوة بشريّة هدي إليها محمد من تلقاء عقله أو من وحي تأملاته أو من دلالات التجارب والمعرفة بأحوال الأمم السابقة، ولم يكن الإسلام في يوم كذلك قط ولن يكون، بل هو دين الله الحقّ الذي نزّله وهو يتولّاه ويرعاه.
إذن فلن تجد قريش رسول الله أبدًا ولو كان أمامها، ولن يتمكن سراقة من رسول الله أبدًا ولو أدركهما، ولن تمنع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مكة كلها لو خرجت بل الدنيا كلها لو اجتمعت!
وليس ذلك لمهارة رسول الله في الإعداد والتجهيز، ولا لدقته في الترتيب والتخطيط، ولا للإتقانه الشديد في ترتيب أوضاع المهاجرين في مكة من ناحية وأوضاع مناصريه في المدينة، ما من شيء من ذلك إلا ولا بدّ منه، لكنه ليس السبب في النجاح إنما السبب في النجاح أنّ هذا الدين هو دين الله وأنه لن يضيّعه، وأن محمدًا رسول الله وأن الله ناصره، فهل يفقه المسلمون الدروس المستفادة؟
-الدين دين الله وهو ناصره بنا أو بغيرنا.
-نحن لا ننصر الإسلام بل ننصر أنفسنا حين نجعلها في الحملة لنصرة الإسلام.
-الحملة علينا والنصر من الله.
نسأل الله تعالى أن يفقّهنا في ديننا، وأن يأخذ بأيدينا إليه أخذ الكرام عليه، وأن يتقبلنا له مناصرين، وأن لا يستبدل بنا قومًا آخرين، آمين!
مضت تلك المحنة العصيبة، مضت وانجلت، فقد سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكر العداء وكيدهم به، افلت من محاولة القتل او الأسر هذه، وخرج سليمًا معافىً، أعظم ما كان آمنًا واطمئنانًا، وسلم دين الله من هذه المكيدة العاصفة والفتنة الجارفة، وسلم المؤمنون من هذه المحاولات القاتلة، اليوم قد انتقل الإسلام إلى أرض جديدة ووطن جديد وبيئة جديدة وواقع جديد، لكن المحن ما تزال تأتيهم والعواصف ما زالت تهبّ عليهم حتى كانت مرّة هبت خلالها عاصفة قويّة تحكي لنا نبأها هذه السطور: