الصفحة 41 من 118

عليه وسلم:"الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" [1] ؛ هذا علم من أعلام النبوة، لأن الذي حدث بعد هذا هو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم [2] .

خرج الإسلام من هذه المحنة منتصرًا قويًّا، وتحقق له بها عزّة ومنعة لم تكن له قبلها، فقد كان فشل هؤلاء جميعهم في الحرب عليه معناه أنه أقوى منهم جميعًا، ومعناه أيضًا أنهم لن يفكّروا في العودة إلى عملهم ذاك مرة أخرى، لقد بات الإسلام في مأمن وبقي أن يتطلّع إلى تلك الآفاق التي أعلن عنها النبي في أثناء المحنة، لينتقل إلى الخطوة الجديدة من الأرض العربيّة إلى العالميّة، ليتطلّع المؤمنون من اليوم إلى ملك فارس في أرض العراق وإلى ملك الروم في أرض الشام، ليكونوا أسياد الأرض.

لقد كانت هذه المحنة نعم المنحة.

وهكذا كانت غزوة الأحزاب درسًا للذين ييئسهم ما يقع بالمسلمين من نكبات وأنواء، وما يصيبه من ضرّ وأذى وما ينزل به من محن وشدائد، فيقعدهم ذلك عن السعي والعمل ويركبهم الغم والهم على مستقبل الإسلام، ألا فليع هؤلاء أنّ الإسلام محفوظ، وليدرسوا تاريخه في القرآن والسنّة وسيرة الرسول وأيام الله في الدول والتاريخ، وليهمهم شأنهم هم فليستوثقوا لإيمانهم بربهم ونبيهم وليتأكدوا ليقينهم في دينهم حتى لا نسمع مثل الذي قاله بعض الذين في قلوبهم مرض والمرجفون - وقد قالوا شيئًا إدًّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدًّا- قالوا: أين الله؟ أليس الله يسمع ويرى؟ ألا يعلم الله ما يقع للمسلمين في الأرض؟ أليس الله قادرًا على نصرتنا؟ ألا ينصر أولياءه؟ ألا يردّ عنهم وعن دينه أعداءه؟ ما بال الله ندعوه فلا يجيب ونسأله فلا يستجيب؟

أسئلة تدلّ على خراب القلوب من الإيمان، وخلو النفوس من تعظيم الله، إنّ الله تعالى ينصر المؤمنين فليراجع هؤلاء إيمانهم حتى يكونوا أهلا لنصر الله وتأييده، وسمة المؤمنين الأدب مع الله والثقة بأن له في كلّ أمر حكمة فلا يتعجّلون ما يريدون وإن كانوا يودّون عجلته حتى يأذن الله له أن يكون، فإن أراد الله لشيء أن يكون فهو كائن.

(1) أخرجه البخاري (4110) .

(2) غزوة الأحزاب، شبكة منهاج السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت