وزاد ابن إسحاق في روايته لهذا الخبر: { ... فدخلت في القوم، والريح جنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا إناء ولا بناء، فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ مَن جليسه؟ فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون ... فارتحلوا فإني مرتحل} [1] .
وفي رواية الحاكم والبزار: { ... فانطلقت إلى عسكرهم فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، قد تفرق الأحزاب عنه، حتى إذا جلست فيهم فحسب أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم، قال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، فضربت بيدي على الذي على يميني وأخذت بيده، ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده، فلبثت هنيهة، ثم قمت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... قلت: يا رسول الله: تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا عصبة توقد النار قد صب الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا ولكنا نرجو من الله ما لا يرجون} [2] .
وختم الله هذا الامتحان الرهيب بهذه النهاية السعيدة، وجنب المسلمين شر القتال، قال تعالى معلقا على هذه الخاتمة: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } .
وكانت هذه الخاتمة استجابة لضراعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله أثناء محنة الحصار:"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم" [3] .
لقد بذلت الأحزاب أقصى ما يمكنهم لاستئصال المسلمين، ولكن الله ردهم خائبين، وهذا يعني أنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئا في المستقبل، ولذا قال الرسول صلى الله
(1) انظر: السيرة النبوية، لابن هشام: (1/ 233) .
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (6551) ، والبزار (650) .
(3) أخرجه البخاري (4115) .