ما فعلوا، وأنهم قد اتفقوا سرًّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يختطفوا عددًا من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم دليلا على ندمهم، وقال لهم: فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلا منكم. ثم أتى غطفان وقال لهم مثل الذي قاله لقريش، وبذلك زرع بذور الشك بينهم وأخذ كل فريق يتهم الفريق الآخر بالخيانة.
2 -معجزة الرياح:
هبت ريح هوجاء في ليلة مظلمة باردة، فقلبت قدور المشركين واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم ودفنت رحالهم، فما كان من أبي سفيان إلا أن ضاق بها ذرعا فنادى في الأحزاب بالرحيل. وكانت هذه الريح من جنود الله الذين أرسلهم على المشركين، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا} .
وروى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان طرفا مما حدث في تلك الليلة الحاسمة، قال حذيفة: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ألا رجل يأتني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة} ، فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ... {ردد ذلك ثلاثا} ثم قال: قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم"، فلم أجد بدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال:"اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي"."
فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ولا تذعرهم علي"، ولو رميته لأصبته، فرجعت، وأنا أمشي في مثل الحمام. فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها. فلم أزل نائما حتى أصبحت فقال: قم يا نومان [1] .
(1) أخرجه مسلم (3349) .