من أول يوم، وفيهم من لو دعي إلى الخيانة لأجاب من المنافقين، وفيهم من لو دعي إلى المواجهة والمناصرة لتخاذل من الذين في قلوبهم مرض، فلا يصفوا من الثلاثة آلاف يومئذ وهم جملة جيش المدينة إلا أقل من ذلك!
كما قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) } .
لكن منذ متى والنصر يرتبط بالعدد، أو بالعدّة، أو بوجود قلة خائنة أو متخاذلة، بل لو لم يوجد أحد على الإطلاق لنصر الله دينه ورسوله وإن حاربه أهل الأرض جميعهم!
وهو ما وقع في هذه المعركة التي كاد الإسلام فيها - بالنظرة البشريّة المجرّدة- يقضي نحبه، ويستأصل أتباعه وجنده، وتسلب دولته وأرضه، فإن الله نصر الإسلام يومئذ برجل واحد، وببعض الهواء.
نعم لقد كفى الله المؤمنين القتال، وهزم الأحزاب بوسيلتين اثنتين:
الأولى: تسخير الله نعيم بن مسعود ليخذّل الأحزاب.
والثانية: الرياح الهوجاء الباردة.
1 -دور نعيم بن مسعود:
روى ابن إسحاق والواقدي وعبدالرزاق وموسى بن عقبة أن نعيم بن مسعود الغطفاني، أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما وعرض عليه أن يقوم بتنفيذ أي أمر يريده النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:"إنما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة" [1] .
وقبل أن يعرف إسلام نعيم، أتى بني قريظة، فأقنعهم بعد التورط مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن، لكيلا يولوا الأدبار، ويتركوهم وحدهم يواجهون مصيرهم مع المسلمين بالمدينة. ثم أتى قريشًا فأخبرهم أن بني قريظة قد ندموا على
(1) أخرجه أبو نعيم في المستخرج (6553) ، والبيهقي في دلائل النبوة: (1357) .