الصفحة 45 من 118

لقاتلتهم على منعه" [1] ، ثم قال رضي الله عنه وأرضاه:"والله لو خالفتني شمالي لقاتلتها بيميني" [2] ، وقال أيضًا:"أقاتلهم وحدي حتى تُقطع رقبتي" [3] ."

كانت كلمات الخليفة كاشفة بحسم عن موقفه النهائي ولا يجدي معها النقاش أو المراجعة، وكان على الجميع البدء في التفكير في النقطة الأهمّ كيف يصدّون العدوان المرتقب على المدينة؟

أنفذ الصدّيق جيشَ أسامة، فكان ذلك أوّل أسباب انفراج الأزمة؛ إذ نظرت الجموع المتربّصة بالدولة المسلمة في أمر الجيش فرجّحت أنّه لا يخرج إلا عن قوّة من المدينة، ولا يخرج في هذه الأجواء إلا وقد ترك وراءه قوّة مثله أو أكثر، والحقيقة أن المدينة كانت خاوية خالية ليس فيها إلا عدد محدود، لكنّها بركة طاعة رسول الله في العمل بأمره وتنفيذ وصيّته، جعلت المرتدّين يرتبكون فيعيدون حساباتهم وينظرون في أمرهم ويتلجلجون تجاه الموقف الذي يتخذونه حيال الأمور من حولهم!

يقول ابن كثير:"فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة، فغابوا أربعين يومًا .. ثم آبوا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الأحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة، ومانعي الزكاة" [4] .

لم يلبث المرتدون في حيرتهم تلك إلا ريثما أتتهم رسائل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم تتهددهم وتتوعدهم فزادتهم حيرة واضطرابًا فأربكت صفوفهم أكثر وأكثر، ثم بعث الصديق إلى الجموع الصامدة الثابتة في جهات هؤلاء المرتدين وقبائلهم يحضهم على الثبات ويبشرهم بالنصر ويدعوهم إلى اللحوق به في المدينة، وقد حصل ما أراد الصديق، فأتت الجموع تزحف إلى المدينة من كلّ مكان.

نجحت الحرب النفسيّة التي خاضها الصديق بجدارة:

(1) أخرجه مسلم (20) .

(2) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي: (1/ 586) .

(3) المصدر نفسه.

(4) انظر: البداية والنهاية (9/ 424) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت