وقال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساء ويوم نُسَرُّ [1]
فالصديق يعلِّم الأمة إذا نزلت بها الشدة وألمت بها المصيبة أن تصبر، فالنصر مع الصبر، وأن لا تيأس ولا تقنط من رحمة الله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] ، وليتذكر المسلم دائمًا أن الشدة مهما عظمت والمصيبة مهما اشتدت وكبرت فإن من سنن الله الثابتة: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6] ، وإن المسلم لأمره عجيب في هذه الدنيا، فقد بين رسول الله ذلك في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» [2] .
لقد ألهم الله تعالى الصديق رضي الله عنه بعبقريّته تلك المؤمنة أن يثبت ويثبت المؤمنين للخروج بالإسلام من هذا المأزق الذي كاد أن يودي بالإسلام وأهله، فماذا لو لم ينفذ الصديق جيش أسامة؟ الجواب: سيحدث مثلما حدث في أحد، معصية فهزيمة.
وماذا لو لم يثبت الله تعالى الصديق؟ الجواب: لما رأيت ثابتًا بعده.
وماذا لو مال الصديق إلى قبول الهدنة مع الأعراب؟ الجواب: لطمع فيهم كلّ من بأطرافها وأيقنوا بأنهم ليسوا على شيء.
وماذا لو لم يلهم الله الصديق بهذه الخطة العبقريّة ااتي هزمت الأعداء قبل أن تصلهم السيوف والحراب؟ الجواب معلوم.
لقد أنقذ الله الإسلام بالصديق - وهو رجل واحد - من خطر أحدق بالإسلام، لم يحدق به مثله من قبل، ولم يتكرّر مثله من جنسه بعد، ولله درّ أبي هريرة إذ يعبّر عن
(2) أخرجه مسلم: (4/ 2295) ، سيرة الصديق، للصلابي: (129، 130) .