الصفحة 7 من 118

ثم تكرر الأمر ثانية وثالثة حتى قال عليه الصلاة والسلام"لقد خشيت على نفسي" [1] .

وبعد أن فتر الوحي مدة استرجع فيها النبي صلى الله عليه وسلم استقراره النفسي جاءه جبريل مجددًا بالوحي، آيات واضحات قصار آمرة إيّاه أن يمضي بالحق ولا يخافنّ فيه لومة لائم:"يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر."

فاستنفر النبي صلى الله عليه وسلم وشّمر عن ساعد الجد وبدأ من حينها عملًا دؤوبًا متواصلًا لم يهنأ له بال حتى ترك أمته على المحجة اليضاء ليلها كنهارها.

وجاءت ردة فعل المشركين كما نبّه لها من قبل، فشُتم وسفِّه واتهم بالجنون والشعوذة والسحر ولاقى من صنوف العذاب ألوانًا وهو صابر محتسب مواصل في دعوته لا يثنيه عن غايته شيء، وقد علم أن النصر لن ينال إلا بعد الشدة، ومن المحن تأتي المنح. ثم توسع مشهد المعاناة ليشمل كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدق دعوته وأجابها وكل من تصدر للدفاع عنه، ولا يخفى علينا خبر تعذيب بلال وآل ياسر، وهما نموذج صغير لما حدث في تلك الفترة.

وبالرغم من كل هذه العراقيل تواصلت الدعوة وساهم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في نشرها وتوسعة رقعتها، وزادهم عزة إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهو ما زاد أيضًا من حدّة المشركين تجاههم، حتى اجتمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم والتخلص من رئيس هذه الدعوة التي سفهت آلهتهم وأذهبت هيبتهم، قال الزهري:"ثم إنّ المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية" [2] .

ولكن هيهات!

فما زالت النخوة والحميّة تجري في عروق بني هاشم مؤمنهم وكافرهم، لذلك اجتمعوا مع بني المطلب بن عبد مناف بقيادة أبي طالب واتفقوا على حماية النبي

(1) أخرجه البخاري (3) ، ومسلم (160) .

(2) انظر: تاريخ الإسلام، للإمام الذهبي: (1/ 603) ، تحقيق بشار معروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت