الصفحة 8 من 118

صلى الله عله وسلم ومنع قريش عنه،، ومن هنا ثارت ثائرة قريش وبلغت الشدّة الذّروة، وقد كانت بينهم مبادلات ومصالح اقتصادية واجتماعية فكان الحصار.

بداية الحصار: في العام السابع بعد البعثة اجتمع كفار قريش في خيف بني كنانة وقرروا معاقبة النبي صلى الله عليه وسلم ومناصريه من بني هاشم وبني المطلب بحصارهم في شِعب أبي طالب بمكة ومقاطعتهم بقطع كل المصالح والمبادلات معهم سواء المعيشية؛ الاقتصادية أو الاجتماعية، فلا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم ولا يبيعوهم شيئًا ولا يشتروا منهم كذلك، ولا يكلّموهم فضلًا عن مجالستهم، حتى يسلّموا لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكتبوا بذلك صحيفة علّقوها داخل الكعبة تأكيدًا على الالتزام بما فيها وتحذيرًا لمن تسوّل له نفسه مخالفتها.

وبالفعل بدأ تطبيق هذه البنود الجائرة، وبدأت الحال تضيق على المحاصرين يوًما بعد يوم فنقص الطعام حتى انعدم، وكذا الزاد، وكل ما تقوم به الحياة.

وهذا سعد بن معاذ يحكي لنا موقفًا تظهر من خلاله الحالة الصعبة التي وصل لها المحاصرون فيقول:"خرجت ذات يوم ونحن في الشِّعب - شعب أبي طالب الذي حوصروا فيه - لأقضي حاجتي، فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعيرٍ يابسة، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء، فتقوّت بها ثلاث ليال" [1] .

لقد كان المحاصرون إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئًا من الطعام لعياله، فيقوم أبو لهب عدوُّ الله، فيقول: يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمَّد، حتى لا يدركوا مما معكم شيئًا، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة، قيمتها أضعافًا حتى يرجع الرجل إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون، ومن معهم جوعًا وعريًا، حتى كانوا يأكلون ورق الشجر، حتى إن أحدهم يضع كما تضع الشاة [2] .

(1) انظر: الروض الأنف: (2/ 127) .

(2) نفس المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت