الصفحة 9 من 118

يا لهذا البلاء العظيم، كم نفس أزهقت في هذه المحنة العظيمة، وكم صغير بلا ذنب قضى؟

ويا لهذا الصبر الذي منّ الله به على رسوله وعلى المؤمنيين ليتحملوا كل هذا العذاب لمدة قاربت الثلاث سنوات، فضربوا بذلك أروع مثال يحتذى به في الثبات والصبر ونصرة الحق!

وعلى الرغم من هذه المقاطعة الظالمة والمؤلمة، وما أصاب المسلمين من أثرها من معاناة وآلام، فإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عن دعوته، فقد كان يخرج يتلقى من يقدم إلى مكة للحج، ويعرض عليهم الإسلام، كما كان يعرض ذلك على من يتصل به من قريش.

ولما كانت أقدار الله كلها خير سواء ظهرت لنا الحكمة منها أو لم تظهر، تمخّضت رحم هذه الشدة عن مسرّات لم يحسب لها المشركون حسابًا، فقد انتشر خبر الحصار من خلال موسم الحج وبلغ مسامع العرب في كامل الجزيرة العربية من حول مكة، فراحوا يتساءلون عن الأسباب والغايات، ويتهافتون لمعرفة أمر هذا النبي وحقيقة هذه الدعوة التي تحمّل من أجلها هو وأنصاره كل هذه الويلات، وتجلّى قول الله تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} كأحسن ما يكون بعد فكّ الحصار، فقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، وجاءت النتيجة عكس المتوقع تمامًا، وهذا فضل الله على المؤمنين وجزاء لهم على ثباتهم، فبعد العسر لا يكون إلا يسرًا.

ولما أذن الله بالفرج نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بدليل جديد على صدق نبوته ومعجزة جديدة للمشركين، علّهم يرجعون إلى أنفسهم ويتفكرون قليلًا ليعلموا أنّ مثل هذه الأخبار لا تصدر من شاعر ولا كاهن ولا مجنون، بل ولا تصدر من بشر عاقل سوي فحسب، وإنما هي وحي يوحى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من إله قادر محيط بما يصنعون علمًا.

ويومًا ما جاء الوحي مُعلمًا النبي صلى الله عليه وسلم بفساد تلك الصحيفة الغاشمة المعلقة داخل الكعبة، بسبب أرضة سلطها الله عليها فأكلتها إلا ما كان فيها من ذكر الله عز وجل، وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عمّه أبا طالب بذلك، وانطلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت