الصفحة 10 من 118

أبو طالب بالخبر إلى قريش وهم في غمرتهم ساهون، لا يعلمون من الأمر شيئًا، وتحدّاهم أبو طالب بصحة هذا الكلام؛ إن وجدوه واقعًا فعليهم فك هذا الحصار وإخلاء سبيلهم، وإن وجدوه كذبًا فهو من سيسلم إليهم الرسول بنفسه، ورضي الكفار بذلك يقينًا منهم باستحالة حدوث ما جاءهم به.

ولما ذهبوا إلى الكعبة وقعت عليهم الصدمة، فقد وجدوا دلائل صدق الخبر الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فما كان منهم إلا أن استكبروا وعاندوا وتجبروا وخالفوا اتفاقهم مع أبي طالب، غير أن نفرًا منهم أثر فيهم ذلكم الموقف ونبذوا هذه الصحيفة وبنودَها، واتفقوا على نقضها وإنهاء هذا الحصار الظالم على إخوانهم، فلم يصبحوا إلا وقد تمّ الأمر وفكّ الحصار، وكان ذلك في السنة العاشرة بعد البعثة!

خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الشعب هو وأصحابه بأجساد ضعيفة منهكة، ولكن قلوبهم قويّة صامدة ثابتة ونفوس زكاها الابتلاء، ومحصتها نار الشدة حتى ظهر لمعانها وانجلى عنها كل ما يعكّر صفوها.

فك الحصار وزال، وبطل كيد الكفار وحال، وبقي الإسلام صامدًا، بل عظمت شوكته وزادت عزّته، زالت الصحيفة وبنودها وبقي كلام الله يتلى في أرجاء الأرض، وظلّ شأن الإسلام والمسلمين في عزّ وصعود، واندثر ذكر المشركين من قريش، وبقي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتردد في مجالس المؤمنين وحياتهم بل في الدنيا بأسرها، ذهب البلاء وبقي الأجر، ذهب الباطل وبقي الحق.

لقد كانت محنة عظيمة وعاصفة قويّة شديدة، أحاطت بالإسلام والمسلمين من كلّ جانب، وقد حاكها المشركون وأحلافهم بمهارة وقاموا على تنفيذها باقتدار، وكان غرضهم منها القضاء على الإسلام وأهله في هذا الشعب هنالك بين الجبلين، وكادت المحنة تسحق المسلمين وكادت شجرة الإسلام أن تذوب، تساقطت ثمارها ثمرة ثمرة، وذبلت أوراقها ورقة ورقة، وتكسرت فروعها فرعًا فرعًا، وبقي أصلها يصارع الحياة ويحاول الصمود في وجه العاصفة الشديدة، يا لرحمة الله لعجائز المسلمين يومئذ، يا لرحمته لمرضاهم، يا لرحمته للصبية، يا لرحمة الله للأطفال، يا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت