لرحمته للرضع، يا لرحمته سبحانه باليتيم والمسكين والفقير من أولئك، من بعد ومن قبل، إنّ مجرد تصورها فقط يدمي القلب ويؤلم الفؤاد ويسحق النفس والروح، فكيف بمن عاشها واقعًا حيًّا وتألم لنفسه ثم لجميع هؤلاء!
ولئن كنا نقول: إن من منح هذه المحنة ذيوع خبرها وانتشار أمرها وتفشي السؤال عن أسبابها ودوافعها - وهذا خير بلا ريب للإسلام- فإنّ العجب لا يدعنا أن نقول: كيف سكت ذوو المروءات والشهامة والنجدة عن إغاثة هؤلاء المستغيثين ونصرة هؤلاء الضعفاء والمعوزين ونحن نقرأ في أخبار العرب ونسمع في أشعارهم أنهم كانوا يبحثون عن الفقير ليؤووه والجائع ليطعموه والعاري ليكسوه، أين كان هؤلاء؟ لماذا صمّت آذانهم وعميت عيونهم وجمدت قلوبهم عن ذلك الحدث الأليم الذي لم يستمرّ يومًا أو شهرًا أو سنة، بل استمر ثلاث سنين؟!
إنّ نظرة من حولنا في أرض الواقع تحير إلينا الجواب في أبلغ عبارة، فهاهم المسلمون في كلّ مكان تنزل بهم أمثال ذلك وأضعافه في عالم يدّعي حقوق الإنسان ويترع عن آخره بمؤسسات ومجالس وعصبات ما أنشئت إلا لإطعام الجائع وكسوة العاري وأمن الخائف - زعموا- ولا بواكي لهم، والكفر كله ملّة واحدة!
لقد بقيت هذه المحنة بدروسها محفورةً في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته؛ إذ لما مكّن الله لدينه وفتحت مكة بعد هذا الحدث بعشر سنين تقريبًا فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم النزول بخيف بني كنانة، ذلك المكان الذي تآمر منه المشركون على قتله وحصاره، ليعلمهم أن لا باطل يدوم وإن رأيته يرتفع قليلًا فسقوطه سيكون أكبر، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
قال ابن حجر:"قيل: إنما اختار النبي صلى الله عليه و سلم النزول في ذلك الموضع ليتذكر ما كانوا فيه، فيشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه من الفتح العظيم، وتمكنهم من دخول مكة ظاهرًا، على رغم أنف من سعى في إخراجه منها، ومبالغة في الصفح عن الذين أساءوا، ومقابلتهم بالمنّ والإحسان، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" [1] .
(1) فتح الباري، لابن حجر: (8/ 15) .