ويبقى هذا الحصار من أعظم الدروس التي يجب على الأمة الآن أن ترجع إليه وتتعلم منه وتستقي منه العبر والعظات، لتواجه عدوّها الذي تسلط عليها فسلبها الثروات والخيرات، وأفقر البلاد والعباد واستنزف الجهود.
فهاهي الأيام تدور مجددًا ويجد المسلمون أنفسهم مستضعفين مغلوبين، تتداعى عليهم الأمم ويتآمر عليهم البَرّ والفاجر؛ ليشتتوا شملهم ويضعفوا شوكتهم، فلا تجد قطرًا من أقطار المسلمين إلا وعاثوا فيه فسادًا، وتدخلوا فيه بسلطتهم، فصار بذلك المسلمون تبعًا لهم يتذللون ويظهرون لهم الولاء، مبتغين عندهم العزة والعزة لله جميعًا، أفلا نرجع إلى هذا الدرس إذا لنتعلم أن الله ناصر دينه لا محالة غير أنه يمحّص ويصطفي من يشاء من عباده ليميز الخبيث من الطيب وأنّه ما من نصر يأتي إلا وتسبقه الشدائد والابتلاءات!
لنتعلم أن لا مساومة على الدين وإن سلب منّا ما تقوم به الحياة من طعام وماء وغيرهما، فنحن أحياء لعبادة الله ولا معنى لحياتنا إن نحن تخلينا عن هذه الغاية.
لنتعلم الصبر والثبات وعدم استعجال النصر وإن طال البلاء، وكلما سولت لنا أنفسنا التراجع والتخاذل فلنتذكر حديثًا حدّث به النبي صلى الله عليه وسلم صحبه وهم في مثل ما نلقى من العذاب بل أشد فقال:"لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ المِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّه" [1] .
لنتيقن أن الله كما سخر من قبل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم لينشروا معه دينه ويثبتوا دعائمه فإنه سيسخر له أيضًا في هذا الزمان من يرفعون رايته ويعلون كلمته، فإما أن نصدق الله ونلتحق بركبهم أو فلنتجرع مرارة الخذلان أبدًا يوم لا تنفع نفس حسرة ولا ندامة.
نسأل الله أن يستعملنا في خدمة هذا الدين ولا يستبدلنا، وأن يجعلنا على ثغر من ثغوره مجتهدين غير مفرطين، وبالله التوفيق.
(1) أخرجه البخاري (3416) .