إذ أزّتكم رماحنا أزًّا، وتُدْهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، وعلى عروشها خاوية؛ فقد أنصفناكم إذ أرسلنا إليكم، ومننّا برسلنا عليكم" [1] ."
عقد قطز بعد قراءة هذه الرسالة مجلسًا استشاريًّا ولما رأى تقاعس الكثيرين عن القتال وتثبيطهم للقوم فأعلمهم أنه عازم على القتال هو بنفسه على رأس الجيوش وذكرهم بدأب نبيهم وصحابته والسلف من بعده في الجهاد وبذل الأنفس والأموال في سبيل الله فكان لذلك بالغ الأثر فيهم حتى تشجعوا للقتال وأيّدوا قائدهم في قراره.
وقام بعد ذلك بفعل جريء لا يقوى عليه إلا ذو نفس مؤمنة متوكلة على الله لا تخاف فيه لومة لائم، فقد قتل الرسل التي جاءته بالرسالة وعلق رءوسهم على باب القاهرة فحميت بذلك دماء المسلمين وتحمسوا للقتال، وسعى قطز إلى تجهيز الجيش رغم عدة عراقيل اقتصادية واجهته استطاع تجاوزها بفضل الله ثم بوجود علماء صالحين عاملين بالحق مثل الشيخ العزّ بن عبد السلام.
حضر الجيش وأشار عليه قطز التوجه إلى فلسطين لتحويل المعركة هناك، بعد أن أقنع مستشاريه بأن ذلك لصالحهم، فبدأت تحركاتهم في شعبان سنة 658 ه في شدة الحرّ وشدة الصحراء القاحلة وكانوا مقسمين حسب خطط للقتال متهيئين لأي هجوم مفاجئ من التتار.
أمر قطز مقدمة الجيش التي اختار لها رجالًا أفذاذًا بقيادة ركن الدين بيبرس بالتقدم والتصدي لأي هجوم حصل في الطريق أو عند دخول فلسطين وذلك لحماية بقية الجيش المتأخر، وكان هذا دلالة على ذكائه وخبرته الميدانية، فلما رصدوا فرقة من التتار تحركات المقدمة في حدود فلسطين اعتقدوا أن هذا الجيش بأكمله وتربصوا بهم حتى بلغوا غزة وهجموا عليهم، ولكن هيهات فقد كانت مقدمة جيش المسلمين على صغرها قوية اختير لها أقوى الرجال كما أسلفنا، فانتصروا على عدوهم فقتلوا بعضهم وفر الآخرون لنقل الأخبار إلى زعيمهم كتبغا.
"لقد كان لموقعة غزة أثر إيجابي هائل عل جيش المسلمين وكان لها أيضا أثر سلبي هائل على جيش التتار" [2] .
(1) السلوك لمعرفة دولة الملوك، للمقريزي: (1/ 514) .
(2) قصة التتار (ص 303) .