الصفحة 85 من 118

ثم عبرت هذه الجموع إلى الأراضي المجرية ثم البيزنطية، وفي هاتين المرحلتين الأخيرتين ظهرت بوضوح طبيعة هذه الحملات العدوانية؛ فقد نظرت هذه الجموع إلى أعدادها وقوتها، واسترجعت تاريخها في الحرمان والفاقة، فنسيت الهدف المعلن الذي خرجوا له، وهو نصرة المسيحيين الشرقيين، ومن ثَمَّ قرروا الهجوم على القرى والمدن الآمنة التي في الطريق، وكلها آهلة بالسكان النصارى الذين من المفترض أنهم جاءوا لنصرتهم!!

لقد كانت وصمة عار في تاريخ أوربا حيث بدأ السلب والنهب والاعتداء على الرجال والنساء وسرقة الأموال والديار!

دُهِش الإمبراطور البيزنطي من هذه الأعمال التي ارتكبت في دولته من هذه الجموع التي لا تفقه شيئًا لا في الدين ولا في السياسة ولا في الحرب؛ فانعدام الدين عندهم واضح لكونهم يقتلون إخوانهم النصارى دون أدنى مبرر، وانعدام السياسة واضح أيضًا لأنهم يفعلون ذلك في أراضي الدولة البيزنطية غير مقدرين القوة العسكرية الضخمة لهذه الدولة العتيدة، كما أنهم لا يفقهون شيئًا في القتال والنزال، كما هو واضح من أشكالهم وتنظيمهم وطريقة حربهم، ومع ذلك فإن الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين تذرَّع بالصبر، ولم يشأ أن يهاجم هذه الجموع فيفنيها؛ لأنه كان يريدها لحرب المسلمين، ومن ثَمَّ لم يتعرض لحملة والتر المفلس بسوء، وإن كان لم يأمنهم على القسطنطينية؛ فأنزلهم خارج أسوارها لينتظروا بقية الحملات والجنود .. إن هذا الاستعراض لرحلة والتر المفلس أو بطرس الناسك يوضِّح لنا بجلاء طبيعة الحملات الصليبية، وأنها - وإن رفعت الصليب شعارًا - ما جاءت إلا للسلب والنهب والاستحواذ والتملُّك.

دخلت الجموع الصليبية إلى آسيا الصغرى، ولم يطيقوا الصبر حتى تأتي جيوشهم المحترفة، فقاموا بالإغارة على بعض القرى المسلمة، وقتلوا وسلبوا ونهبوا، وزادهم هذا إغراءً فتمادوا في الغيِّ، وهم لا يدركون أنهم أصبحوا على بُعد عدة كيلو مترات فقط من مدينة نيقية قاعدة السلطان قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، سلطان السلاجقة في آسيا الصغرى آنذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت