فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 144

وإعتبار الخلق أو الفضيلة وسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط، ليس قاعدة إسلامية مسلمة، وإنما هي نوع من التحليل اليوناني لفلسفة الاخلاق إقتبسه بعض الأخلاقيين الإسلاميين؛ لأنه أقرب إلى ما يوضح فكرة الآاب العامة عند المسلمين، وليس في الإسلام ما يجعل التجاوز والسمو في الخلق مذمومًا؛ فالمؤمنون درجات، كل يعمل على أن يرتقي في معارج السالكين غلي أن يصل إلى أعلى درجات اليقين المحبة، وهم يقولون: إن الولاية لله لا تحد مراتبها، وكل يعمل للوصول إلى أسمي منازلها دون أن ينال ذلك، والكمال لا نهاية له، وهل يعقل أن يقال لمن أنفق جميع ماله في سبيل الله إنه مبذر، أو إنه إرتكب مذمومًا؟ أرأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه وقد جاء بكل ماله ووضعه بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم نفقة في سبيل الله، فدعا له النبي صلي الله عليه وسلم وقال بارك الله لك في أهلك ومالك. فهل كان بذلك مسرفًا متجاوزًا للحد في الإنفاق؟ وإنما يقال ذلك في مجال الإنفاق الشخصي، أما في مجال الخير والتسابق فإنه لا إسراف فيه ولا تبذير، بينما لو أنفق درهمًا واحدًا في وجه غير مشروع لكان ذلك يبذيراأ مذمومًا منهيًا عنه.

وكذلك خلق الشجاعة، أليست هي بذل النفس في سبيل الخير، أو الإقدام والجرأة؟ فهل يقال إن الشجاعة جزء من الجبن أو التهور حتي تكون وسطًا أو طرفًا؟ وقد علمنا أن الوسط هو بعض ما يضاف إليه؛ فإن وسط الدار جزء منها ـ كما تقدم ـ فلو كانت الشجاعة وسطًا بين الجبن والتهور لكانت جزءًا من الجبن والتهور. ا. هـ.

نقد عباس محمود العقاد للنظرية

قال الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله تعالى (1306 - 1383 هـ /1899 - 1964 م)

ومذهب الفلسفة اليونانية ينتهي بنا إلى مقياس للأخلاق شبيه بمقياييس الهندسة والحساب؛ بعيدًا عن تقدير العوامل النفسية والقيم الروحية؛ في الأخلاق العليا علي التخصيص، وقد تصدق هذه الفلسفة إذا كان المطلوب من الإنسان أن يختار بين رذيلتين محققتين، فإنه في هذه الحالة يحسن الإختيار بين طرفين متقابلين كلاهما مذموم ومتروك، إلا أننا لا نقول مع ذلك: غن الكرم نقص في رذيلة البخل أو نقص في رذيلة السرف، ولا نقول مع ذلك: إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت