شبهة تشديد الصحابة والتابعين على أنفسهم [1]
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: ـ
قد يقول البعض صح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يواصل في صيامه، وكان يقوم الليل حتي تتورم قدماه، بل قد صح أن نفرًا كبيرًا من الصحابة والتابعين صبروا على احتمال المشقة في الأعمال والصبر عليها دئمًا ويكفيك من ذلك ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن يليهم رضي الله عنهم، ممن إشتهر بالعلم وحمل الحديث والإقتداء بعد الإجتهاد، كعمر وعثمان وأبي موسي الاشعري وسعيد بن عامر، وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين كعامر بن عبد قيس وأويس، ومسروق، وسعيد بن المسيب، والأسود بن يزيد، والربيع بن خيثم، وعروة، وعبد الله بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن"راهب قريش"، وكمنصور بن زاذان، ويزيد بن هارون، وهشيم، وزر بن حبيش، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومن سواهم ممن يطول ذكرهم وهم من أتباع السنةوالمحافظة عليها ما هم.
ومما جاء عن عثمان رضي الله عنه أنه كان إذا صلي العشاء أوتر بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وكم من رجل منهم صلي الصبح بوضوء العشاء كذا وكذا سنة، وسرد الصيام كذا وكذا سنة، وروي عن ابن عمر وابن الزبير أنهما كانا يواصلان الصيام، وأجاز الإمام مالك صيام الدهر، وكان أويس القرني يقوم ليله حتي يصبح ويقول: بلغني أن لله عبادًا سجودًا أبدًا ونحوه عن عبد الله بن الزبير، وعن الأسود بن يزيد، أنه كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتي يخضر جسده ويصفر فكان علقمة يقول له: ويحك لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد.
وعن أنس بن سيرين أن إمرأة مسروق قالت: كان يصلي حتي تورمت قدماه فربما جلست أبكي خلفه مما أراه يضع بنفسه.
وعن الشعبي قال: غشي على مسروق في يوم صائف وهو صائم فقالت له إبنته: أفطر! قال: ما أردت بي؟ قالت: الرفق! قال: يابنية إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره
(1) ـ الموافقات في أصول الأحكام (2/ 93 - 98) وقد ذكر الإمام الشاطبي هذه القضية وأجاب عنها في أجلي بيان في الموضع المذكور.