خمسين ألف سنة إلى سائر ما ذكر عن الأولين من الأعمال الشاقة التي لا يطيقها إلا الأفراد الذين هيأهم الله لها وهيأها لهم وحببها إليهم.
والجواب عن هذه الشبهة
نلاحظ أن هذه الشبهة لها شقين: ـ
الأول: ـ ما جاء في حق النبي صلي الله عليه وسلم من تشديده على نفسه وإحتمال المشقة في الأعمال والصبر عليها.
والثاني: ـ ما جاء في حق الصحابة والتابعين ومن تابعهم غلي يوم الدين.
وأما الجواب على الأول منها: وهو المتعلق بحق النبي صلي الله عليه وسلم فهو أنه صلي الله عليه وسلم كما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها نهاهم عن الوصال في الصيام رحمة لهم. فقالوا له: إنك تواصل!!؟ فقال:"إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني".
الثاني: ـ وهو حجر الزاوية في هذه القضية، فقد رد الإمام الشاطبي [1] (ت 790) رحمه الله تعالى هذه الشبهة في أروع بيان فقال:"وحاصل هذا كله أن النهي لعلة [2] معقولة المعني مقصودة للشارع وإذا كان كذلك فالنهي دائر مع العلة وجودًا وعدمًا فإذا وجد ما علل به الرسول كان النهي متوجهًا ومتجهًا، وإذا لم توجد فالنهي مفقود إذا الناس في هذا الميدان على ضربين [3] :ـ"
1 ـ ضرب يحصل له بسبب إدخال نفسه في العمل تلك المشقة الزائدة على المعتاد فتؤثر فيه أو في غيره فسادًا أو تحدث له ضجرًا ومللًا وقعودًا عن النشاط إلى ذلك العمل كما هو الغالب في المكلفين فمثل هذا لا ينبغي أن يترك من الأعمال ما فيه ذلك بل يترخص فيه بحسب ما شرع له في الترخيص إن كان مما لا يجوز تركه أو يتركه إن كان مما له تركه وهو مقتضي التعليل.
ودليله قوله عليه الصلاة والسلام"لا يقضي القاضي وهو غضبان" [4] .
(1) ـ الموافقات في أصول الأحكام (2/ 93 - 98) للشاطبي.
(2) ـ العلة: هي السبب.
(3) ـ ضربين: نوعين او فريقين.
(4) ـ رواه الترمذي وحسنه.