وقوله:"إن لنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا"وهو الذي أشار به عليه الصلاة والسلام على عبد الله بن عمرو بن العاص حين بلغه أنه يسرد الصوم، وقد قال بعد الكبر: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلي الله عليه وسلم. وقد تقدم تخريجه في الصحيحين.
النوع الثاني من الناس وهو المقصود
والضرب الثاني: ـ شأنه أن لا يدخل عليه ذلك الملل ولا الكسل لوازع هو أشد من المشقة أو حاد يهمل به الصعب أو لما له في العمل من المحبة ولما حصل له فيه من اللذة حتي خف عليه ما ثقل على غيره وصارت تلك المشقة في حقه غير مشقة بل يزيده كثرة العمل وكثرة العناء فيه نورًا وراحة أو يحفظ عن تأثير ذلك المشوش في العمل بالنسبة إليه أو إلى غيره كما جاء في الحديث"أرحنا بها يا بلال".
وفي الحديث الذي روي بإسناد جيد"حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" [1]
وقال لما قام حتي تورمت قدماه أو تفطرت قدماه:"أفلا أكون عبدًا شكورا"وقيل له عليه الصلاة والسلام: أتأخذ عنك في الغضب والرضا قال:"نعم"، وقال في حقنا:"لا يقضي القاضي وهو غضبان".
والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين كانوا في النوع الثاني الذي لا يدخل عليه الملل ولا الكسل بسبب المشقة وبهذا يزول الإشكال.
وقد أجاب عن ذلك الشيخ مصطفى المراغي (ت سنة 1334 هـ = 1954 م) رحمه الله تعالى
بطريقة أخري فقال:"لكن بعض العلماء رووا أحاديث في الزهد، منها الموضوع، ومنها الضعيف ولا شبهة في أن بعض الخلفاء وبعض الصحابة وبعض الأمة زهدوا وتقشفوا، وأعرضوا عن طيبات الدنيا وعن زينتها؛ لكن لهذا أسبابًا، منها ضيق ذات اليد قبل أن يفتح الله عليهم أبواب الرزق؛ ومنها مقاومة الفساد بعد أن فتح الله أبواب الدنيا. واستولوا"
(1) ـ الحديث رواه البخاري في الصحيح وأحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه وزاد الإمام أحمد في روايته في كتاب"الزهد"
:"أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن".