5 -شرط تطبيق عقوبة السرقة هو توفير العدل الإجتماعي، والقضاء على شبح الفقر في المجتمع، الأمر الذي لا يشعر فيه مواطن بدافع يدفعه إلى السرقة، ومن هنا أوقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تنفيذ حد السرقة عام المجاعة [1] التي شهدتها بلاد المسلمين حينذاك، وعندما كانت الحدود مطبقة على نحو عادل في الإسلام في عهده الأول كان السائر من مكة إلى الشام لا يخاف في طريقه إلا الله والذئب على غنمه فكل سارق كان يعلم سلفًا ما هي العقوبة، ومن أجل ذلك كان يفكر ألف مرة قبل إرتكاب جريمة السرقة أو غيرها من الجرائم، ومن هنا كانت ندرة تطبيق الحدود
فأيهما أفضل؟ إستتباب أمن المجتمع وإن أدي ذلك إلى تطبيق العقوبة على بضع أفراد أو إمتلاء السجون بالمجرمين وتعكير صفو الأمن في المجتمع؟
من الذي يستحق التعاطف معه؟ المجرم أم المجتمع وأمنه وإستقراره!؟
قال ابن القيم في أعلام الموقعين (3/ 14 - 15)
إن سقوط القطع في المجاعة محض قياس، وجار مع مقتضي قواعد الشرع لما يغلب على الناس من الحاجة والضرورة، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، ويمكن القول بأن عدم القطع هنا يرجع إلى نص هو قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: ـ"إدرءوا الحدود بالشبهات" [2] ا. هـ.
(1) ـ ويسمي"عام الرمادة"لأن الناس كانوا يسفون الرماد من شدة الجوع. وللمزيد: مقولات ظالمة حول القرآن والرسول (2/ 84 - 87) د. عبد الصبور مرزوق. سلسلة: قضايا إسلامية كتاب رقم"32".
(2) في مسند أبي حنيفة للحارثي حديث رواه عبد الله ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (( ادرؤوا الحدود بالشبهات ) )
لقد جاء في هذا الباب عدة أحاديث في أسانيدها مقال، لكن يشد بعضها بعضًا، منها هذا الحديث: (( ادرؤوا الحدود بالشبهات ) ) [1] وفي الآخر: (( ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ) ) [2] ، والمعنى: أن الواجب على ولاة الأمور من العلماء والأمراء أن يدرؤوا الحدود بالشبهة التي توجب الشك في ثبوت الحد، فإذا لم يثبت عند الحاكم الحد ثبوتًا واضحًا لا شبهة فيه فإنه لا يقيمه، ويكتفي بما يردع عن الجريمة من أنواع التعزير، ولا يقام الحد الواجب كالرجم في حق الزاني المحصن، وكالجلد مائة جلدة في حق الزاني البكر، وبقطع اليد في حق السارق لا يقام إلا بعد ثبوت ذلك ثبوتًا لا شبهة فيه ولا شك فيه بشاهدين عدلين لا شبهة فيهما، فيما يتعلق بالسرقة وبأربعة شهود عدول فيما يتعلق بحد الزنا، وهكذا بقية الحدود، فالواجب على ولاة الأمر أن يعتنوا بذلك وأن يدرؤوا الحد بالشبهة التي توجب الريبة والشك في الثبوت.
[1] أخرجه الهندي في كنز العمال برقم 12957، 12972، وفي كشف الخفاء برقم 166.
[2] أخرجه الترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود، برقم 1344، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات 8/ 238