أن من حق المجتمع الإسلامي أن يبتكر ما شاء من ألوان المعاملات وأن يجاري النشاط الإقتصادي العالمي بالمساهمة فيه حسب الطرق الحديثة دون تحرج [1] ، وأن الله لم يوجب على الناس أن يلتزموا صورًا خاصة من المعاملات لا يتجاوزنها، وليست الصور التي يبحثها أصل الفقه والحديث إلا ألوانًا من المعاملات يمكن أن يضاف إليها ويحذف منها ويعدل في ظل أصول الشريعة من رعاية المصالح وحفظ النفوس، والأموال، والأخلاق، وعدم الحرج والتعسير، والمسلمون إذا عرفوا ذلك وعملوا بمقتضاه، يدفعون عن أنفسهم ودينهم تهمة طالما أخلد إليها الأجانب والمغرورون بهم، فإنهم يقولون إن الشريعة الإسلامية تمنع المؤمنين بها من مجاراة عالم الإقتصاد الحديث، وتوجب عليهم أن يظلوا على أساليبهم القديمة في التجارة وشروط الشركات للعقدة التي ضيق بها الفقهاء على الناس، وما دام المسلمون يرون هذا دينًا واجب الإتباع فسيبقون عاجزين عن مجاراة الأساليب الحديثة قابعين وراء القرون الخالية. الدعامة الثانية: ـ
أن الأصل في المعاملات الإباحة، فلا يجوز المسارعة إلى تحريم صورة من صور المعاملات حتى يتبين أن الله حرمها.
الدعامة الثالثة: ـ
إن إستعمال المعاملة على ناحية من نواحي المنع والتحريم لا يكفي في القول بتحريمها، بل لا بد من دراسة هذه الناحية، ودراسة حال الناس في شأنها ومدي ما تشتمل عليه من منفعة أو مضرة، فقد يظهر أن منفعتها غالبة على مضرتها، أو أن مضرتها من النوع الذي يمكن التغاضي عنه تيسيرًا على الناس، فيسلك بها مسلك الترخيص، أو أنها من المعاملات التي يمكن تهذيبها وتقويم المعوج فيها.
بهذا المنهج نستطيع أن نعيد الشريعة إلى مجال التعامل والإقتصاد بعد أن نحبت عن هذا المجال منذ جمد المتأخرون من أتباع الفقهاء على ما ورثوا دون أن يتابعوا النظر، أو يحاولوا درس الجديد من ألوان المعاملات والنظم الإقتصادية، وهذا ـ من جهة أخري ـ يشرح لنا نظرة الإسلام المتوسطة بين هذه النواحي المختلفة من التشريعات، فهي نظرة تقوم على إدراك الواقع وإعطائه ما يناسبه من أساليب المعالجة والدرس،
(1) ـ بالطبع مع الإلتزام بالقواعد الفقهية والشرعية المقررة في علم أصول الفقه.